انتهيت خلال الأيام الماضية من مراجعة وتسليم المسودة الأخيرة من روايتي الجديدة إلى الناشر، على أن تصدر الرواية قريبًا إن شاء الله.
كانت الأسابيع الأخيرة عامرة بالصخب، وبالقلق المتّسق مع عوالم الرواية، وبالتوتر الذي لا يسبّبه سواي، فأنا ذلك المتأرجح دائمًا بين ذُرى الطمأنينة وسفوح الشك. تشابكت الأصوات في رأسي بين الواقعيّ والمتخيّل، لا يقاطعها سوى انسياب متقطّع لصوت المحرّر، الأمر الذي يستلزم امتلاك قلب محايد وضمير يقظ، ويد قادرة على الزرع والبتر والضخّ والتجفيف وإعادة تشكيل طين الخلق؛ وهي أمور أرى أن حيازتها مجتمعة ضربٌ من الخيال.
انتهيتُ إذن، وما أنا بعارف إلى أي نتيجة وصلت، وعلى أيّة حال، تركت تلك العوالم الروائية التي استنفدت طاقتي بطريقة لم أعهدها، تركت كل شيء ورائي وضغطت زر «أرسل»، فكانت عملية الفصل بين الكاتب والمكتوب تجربة شديدة الإيلام. هكذا عرفت أخيرًا أن علاقة الكاتب بالمكتوب تبادلية؛ كلاهما طفلٌ لا يأمن إلا بحضور الآخر، كلاهما أمٌّ، وكلاهما يرفض الفطام.
تذكرت ما كتبته الروائية السورية مها حسن منذ أسابيع عن حالة الاكتئاب التي تعقب الكتابة، واستوثقت من صحته، فعلى الرغم من أن عوارض هذه الحالة داهمتني مسبقًا، بدرجات متفاوتة، حدّ أنني شبّهتها غير ذي مرّة باكتئاب الأمهات بعد الولادة، فإن هذه التجربة الأخيرة أكدت لي دقّة ما ذهبت إليه. فتلك الحالة من الخواء والفراغ والافتقاد التي يتحدث عنها الأدباء ليست محض مجاز، إنما هي توصيف دقيق للعوارض النفسية التي تصيب كل من يزرع قطعة من وجدانه في غور الورق، ثم يتخلّى عنها ببساطة عبر الضغط على زر الإرسال في البريد الإلكتروني، وهو ما يعادل فصل الجنين عن أمٍّ اعتادت حركته في جسدها طيلة أشهر، حتى بات جزءًا من هذا الجسد.
أعتقد أن شعوري الحالي بالذنب، وبخذلان الشخوص التي آنست ساعات صمتي وشرودي لسنوات، لا ينطوي على أدنى درجة من تضخيم الأمور، فالأمر برمّته شبيه بأن يودع المرء طفله في حقيبة سفر، ثم يضع الحقيبة على سيرٍ لئيم ينقلها إلى جوف طائرة تسافر إلى المجهول، قبل أن يغادر المطار عائدًا أدراجه كأن شيئًا لم يكن!
حسبي أن شخوصي الآن تحظى برعاية تستحقها، وأن راعيها أمينٌ على رعيّته، وأن الزمن كفيل بضخّ إكسير النسيان في شريان الندم؛ نقطة، وعلى أول السطر ينبغي أن أشيّد عالمًا جديدًا تستحق أجنته الوليدة رعايتي، بكل بساطة!
الكتابة إذن فعل خيانة مكتمل الأركان؛ خيانة الإنسان لذاته، وخيانة الخالق للمخلوق، أما الأغرب فهو أنني أشعر بلذة عظيمة عندما أمارس هذه الخيانة!
قال أبي ذات زمانٍ بعيدٍ إن السعادة تكمن في الرضا، وفي السنوات الأخيرة آمنتُ بخطأ ما ذهب إليه، إذ تراءى لي أن السعادة كامنة في التخلّي، أي القدرة على الاستغناء عن كل ما قد يتعلّق به المرء، ووقر في قلبي صحّة ما ذهبت إليه. ثم زارني أبي في الليلة التي سلّمت فيها مسودة الرواية الجديدة، وقتما كنتُ مؤهلًا لاستقبال كوابيس يلعنني فيها الشخوصُ الذين تخلّيت للتوّ عنهم. بزغ أبي من ضباب الحلم، فخشيتُ أن يلعنني لأن روايتي هذه تعارضُ ثوابت فكره وتقوّض ركائزه، لكنه لم يفعل، بل إنه، على ذلك، بدّد بحضوره غمامة القلق.
رأيته جالسًا فوق سحابته، يخاطب الطير والبشر، وشعره السارح في بياضه يجعل له هالة من فضة القمر، ويمنحه جلالًا طوباويًّا، وأنا عينان مزروعتان بين النُظّار...
قال أبي بحكمة الرهبان، ومن دون أن يناظرني، كأنني طيفٌ هائمٌ يسبح في العدم:
«يخلط الكثيرون بين أكثر من مفهوم للسعادة، فيذهب البعض إلى مزاوجتها بالمتع الدنيوية، من صحة ومال ونشوة جسديّة وحسيّة وجاه وسُلطة، بينما يَقنع المتفكّرون منهم بأنها أبسط من ذلك بكثير، فكل راضٍ بالمقدور سعيد، وكل سعيد لا تكتمل سعادته إلا بالرضا».
ثم جعل يضيّق مساحة رؤيته حتى صلبني داخل سياج عينيه، واستطرد:
«ويتفلسفُ بعض أولئك المتفكّرين فيحوّرون مفهوم الرضا عبر استبداله بـ«فضيلة التخلّي»، وواقع الأمر أن الأمرين سواء، فالتخلّي هو أحد أبناء الرضا؛ الرضا مصطلحٌ فسيحٌ شاملٌ ينهض على عدة ركائز، من بينها قدرة الإنسان على التخلّي، فكيف للمرء أن يشعر بالرضا وهو لا يزال متعلّقًا بحلم صعب المنال؟ السعادة كامنة في الرضا، والرضا هو الغاية، أما التخلّي فهو واحد من شروط بلوغ الغاية».
ثم ضرب سحابته بكعبيه، وشدّ لجامها فمضت كاشفة عن شمسٍ، وانساب النور من نافذة الغرفة مع انبلاج الصبح، فاستيقظت...
طيّب، شكرًا يا حاج سمير، وصلت رسالتك، وبلغ التقريعُ مقصده 😊
القاهرة
13 مارس 2024