سوف أتحدث هنا، بصفة دورية طالما كان في العمر بقية، عن تجربتي مع الكتابة، متى وكيف بدأت هذه الهواية، وكيف عملت على تطويرها، وصقلها. مِمَّ أستمدُ أفكاري، وما هي العوامل التي أثرت في وجداني وشاغلت مخيلتي لسنوات، حتى وجدت نفسي مُكرّمًا وفائزًا بجائزة عربية كبيرة، ومرموقة.
هذا ما سوف أحاول توضيحه، ولكن، لعلني أجد أريحيّة في الحديث عن الكتابة كضرب من اللعب، أو بمعنى أدق، الكتابة كهواية لن أسمح لها بالتحول إلى مهنة ومصدر للرزق (أعرف أن هذا يزعج البعض بشدة، ولكنني لن أغيّر رؤيتي للأمر كيلا ينزعج الآخرون). ولكي أرتب أفكاري، كما تعلمت في موضوعات التعبير قبل أربعين سنة، ربما يجدر بي أن أقسّم هذه الشهادة إلى عناصر، أو مراحل، أو إلى عناوين "بالفونط" الأسود الداكن.
أولاً: الفضول وحب الاستكشاف
لقد نشأت في بيت تكاد الكتب تشيّد جدرانه، فكانت المكتبة هي الجدار الأساسي والركن الركين للبيت، رأيت في طفولتي أبًا يقال أنه لو جُرح ذات يومٍ لنزف حبرًا ، وأمٍّا تدوّن ما يمليه عليها من أفكار ومسودات وقصص وفصول روايات. أرى اسم أبي في صحف طبعت في جدّة قبل مولدي، وفي مجلات تصدر في بغداد، أسمع صوته في الإذاعة، فإذا بالصوت يشرح الصورة، ويتقد بحماس عرفت في ما بعد، أنه مستمد من الكتب، طفلًا كنت، أرصد مكونات العالم الذي فُرض عليّ، بفضول سمكة، ودأب نملة، بينما الحرب العراقية الإيرانيّة تدق إزميلها في ذاكرة الطفل الذي تركته هناك، ليتابع ما يجري بعد عودتنا إلى القاهرة.
في مدينة بنها، حيث عشتُ في الفترة بين عامي 1984 و1990، ازداد فضولي، وتنامى لدي حب الاستطلاع إلى درجة متهوّرة، فألحقت الأضرار بالبيت بعد محاولة لتحضير الجن، وفق كتاب (أفضّل أن أقول أنني استعرته خلسة) من مكتبة أبي، وعوقبت لفترة من لمس الكتب، إلا أن المثابرة والإصرار على فهم ما تحويه هذه الكتب، وشيء غامض في داخلي، كلها أمور جعلت للكتب في نفسي أثر النداهة. لم أكن أدرك ما تحويه الكتب، لكني ظللت مطاردًا لظل أبي، ومتلصصًا على جلساته الأسبوعية مع الأدباء والشعراء، وجعلت أقلّده، فكانت سلسلة روايات مصرية للجيب تشكّل تدريجيًّا مكتبتي الخاصة، التي جعلت لها رفًّا في مكتبته. وهكذا، حتى سمح لي باستعارة أول كتاب من كتبه، وكانت مجموعة خمارة القط الأسود، للأستاذ نجيب محفوظ.
ثانيًا: الغربة ودوامات القلق
يقول والدي: الغربة كتاب عناء، ربما لم أُدرك معنى هذه العبارة في بغداد على الرغم من الحرب، ولكن في هجرته الثالثة إلى طرابلس، وهي الهجرة الثانية بالنسبة لي، أدركت، للفارق في المرحلة العمرية، ما تعنيه هذه العبارة التي سأسمعها لاحقًا. في المرحلة الإعدادية بدأت الكتابة، فرحتُ أدوّن ما يشبه اليوميّات، ثم تطوّر الأمر إلى لفظ الأفكار والأسئلة فوق الورق، أذكر مما كتبت في هذه المرحلة، أوراق عنونتها بـ من أنا؟ ولماذا أعيش؟ وأين وطني؟ بطبيعة الحال؛ يظل استدعاء هذه الأوراق مدعاة ضحكٍ بالنسبة لي، وعلى الرغم من أنها أثارت انتباه أبي، وقلقه، وبعض غضبه آنذاك، فقد صرت الآن قادرًا على فهم ما شغل وجدان ذلك الصبي الذي كنته، وكيف سيطرت عليه حالة من اللايقين، في ظل الغربة، الغربة التي تحجب السماء كأنها سحابة شتويّة تمهد لإعصارٍ لا يأتي. تواصل اهتمامي بالقراءة، وتكررت زياراتي رفقة أبي إلى مكتبة في شارع محمد المقريف، وما زلت أتذكر يوم أردت أن أشتري كتابًا عنوانه "المراهقة وسن البلوغ"، فاستأذنت أبي، فراح يتصفحه ويراجع محتواه العلمي والنفسي، ثم أذن لي بشرائه. كما أذكر كيف فقدت هذا الكتاب لاحقًا، حين تعرض بيتنا في طرابلس للسرقة إبان زيارتنا الصيفيّة إلى مصر، وكم استفزني أبي كثيرًا في إثر ذلك، إذ كان متفاجئًا وسعيدًا، لأن السارق اهتم بسرقة الكتب كأنما يعرف قيمتها. خلال تلك المرحلة التي استمرت لست سنوات، بدأ اهتمامي بالموسيقى، والعزف على الأورج، الأمر الذي أفرز محاولاتي لكتابة الأغاني، بالعامية والفصحى، ثم تلحينها، وغنائها، فكنت الكاتب والملحن، والمستمع الوحيد. ولعلني أذكر الآن أن أغلب الأغنيات التي كتبتها في المرحلتين الإعدادية والثانوية، لم تتحدث عن الحب، بقدر ما كانت استكمالاً للتعبير عن القلق، واللايقين، والبحث عن السكينة، التي لم أدرك في حينها كيف تكون، وما هي مقوماتها.
ثالثًا: التورّط، والخجل
بانتهاء المرحلة الثانوية، كان لديَّ أكثر من مئة أغنية ولحن، حاولت أن أرسل الأغاني مكتوبة، أو مسجلة على كاسيت، إلى المطربين المفضلين لديَّ؛ العامية إلى محمد فؤاد وهاني شاكر وعمرو دياب ومحمد محيي، والفصحى إلى كاظم الساهر.، طبعًا لم أفلح في الوصول إلى أيٍّ منهم، ولكن، من هنا تكوّنت وتشكّلت لدي عادة ستفيدني كثيرًا في ما بعد، وهي عادة التخلّي. كلما كتبت أغنية، وحاولت أن أرسلها إلى مطربٍ ما، وفشلت، كنت أشرع في كتابة وتلحين أغنية أخرى، ثم تحوّرت عادة الكتابة من الطور الشعري إلى الطور القصصي، جذبتني عوالم القص، واستعذبت امتلاكي القدرة على خلق عالم كامل في رأسي، ثم تقديمه إلى جموع القراء في صورة حكاية تشبه الواقع. طبعًا، في ذلك التوقيت، كانت كلمة جموع القراء، لا تشمل سوى أمي، وبمرور الوقت، شعرت أنني تورطت في هذه الهواية، وشعرت بالندم إذ خنت الموسيقى والأورج، تخليت عنهما بكل صلافة، قبلت باستبدال كتابة بكتابة، لكن التخلي عن العزف الموسيقى كان أكثر ما آلمني. والغريب أنني، على عكس تعاملي مع الموسيقى، كنت أخجل كثيرًا من عرض قصصي على أحد، خصوصًا والدي الذي طالما أسمعته أغنياتي، ظللت أهرب منه، وأخفي عنه السر بالاتفاق مع والدتي، كان من المفترض أن نحتفظ بهذا السر لفترة مؤقتة، لكنه استمر لأكثر من عشر سنوات، أنا أكتب، روايات قصيرة أو قصص طويلة، لا يشغلني التصنيف، وأمي تقرأ، وتشجعني، وأبي لا يعرف عن ذلك شيئًا، وسوف أندم على ذلك كثيرًا في ما بعد، خصوصًا بعد وفاته المفاجئة، لكنَّ الله أبى أن تكتمل أركان مأساتي، فكان أن أطلعته على ثلث روايتي الطويلة الأولى في نهاية عام 2012، فاستحسن، ومنحني دعمًا حفّزني كأنما هو مسّ أو ضرب من السحر، عقب ذلك بخمسة أشهر، مات أبي، فتوقفت لما يقارب العام.
رابعًا: الخروج من الشرنقة
عقب وفاة أبي، وفقدان مكتبته الضخمة بطريقة لم تزل تؤرقني وتؤلمني، قررت أن أخصص لكتبي مكانًا أكبر، وشرعت في تكوين مكتبة كان قوامها وقت وفاته 500 كتاب، وصارت الآن خمسة آلاف كتاب. كانت القراءة وما زالت أحب الهوايات إلى قلبي، تنافسها أحيانًا هواية الكتابة. لكن القراءة فعل هروب، فعل استكشاف، وفعل تعلّم، هي المتعة التي لا أحب أن أتخلى عنها، ومن خلالها تطوّرت كتابتي وتطوّرت أساليبي، وازدادت معرفتي اللغوية. ألاحظ الآن بينما أكتب هذه السطور، أنني كلما خارت طاقتي فصرت أضعف من أن أمارس الكتابة، لجأت إلى القراءة، فتجدّدت طاقتي، وتولّدت لدي شهوة أقوى للكتابة.
بعد تجاوز أضرار الرحيل، وربما بعد تظاهري بتجاوزها، قررت أن أستكمل النص الذي قرأ أبي ثلثه، وراودتني لأول مرة فكرة النشر! بدا كأنني لم أنتبه لهذه الاحتمالية قبل عام 2014. كان الأمر كله من باب اللعب، الهواية، كنت أفرغ شهوة الكتابة، وأدرك أن شهوة الكتابة، تختلف كثيرًا عن شهوة أن يكون المرء كاتبًا، فالكتابة -حسب رأيي- تعدُّ من تمارين التأمل، ووسائل التعافي، واستعادة الطاقة، وتحقيق التوازن النفسي، لكن وفاة أبي حفّزتني على المضي قدمًا نحو الناشرين، انتهت الرواية في نهاية سنة 2014، وأرسلتها إلى كل دور النشر، كعادة الكتاب المبتدئين، لم يهتم أحدٌ بالرواية، ولعلّي أعذرهم اليوم لأن الرواية كانت نموذجًا صريحًا لأخطاء الكتابة الأولى. ولأنني كنت من الساذجين، نشرت الرواية بطريقة تعرضتُ خلالها لعملية نصبٍ سخيفة، آذتني لفترة من الزمن، وتوقفت بسببها عن النشر لسنوات، لكنني لم أتوقف عن الكتابة. لذلك باتت نصيحتي إلى كل كاتب شاب يتصوّر أنني أملك إجابة عن سؤاله وأخجلُ من رده خائبًا، أن لا تتعجّل النشر، وانتظر ناشرًا يؤمن بموهبتك، وثانيًا؛ أياك أن تدفع مقابلاً لنشر كتابك.
وهكذا، اتبعت شغفي بالهواية، وظللت أكتب، حتى صدرت روايتي الثانية سنة 2021، وقد كانت مزجًا بين سيرة أبي مع شيء من التخييل، بهذه الحكاية تحررت من ثقل الفراق، وأصداء تجربته التي ظلت تشاغلني، وتلح علي أن أكتبها، ففعلت.
خلال تلك السنوات، بين 2016 و2023، كتبت ثلاث روايات، وعشر روايات قصيرة أو نوفيلا، نشرت من ذلك كله روايتين، بوح الجدران 2021، وصلاة القلق 2024. كان الخروج من الشرنقة مغويًا، وراحت أفكار الرواج والمقروئية تراودني، أدركت مبكرًا أنَّ رواياتي لن تتراص يومًا في أرفف الأكثر مبيعًا، لكني وددت أن أكون في قائمة الروايات التي عاشت أطول من كُتّابها.
خامسًا، تجربة الطيران، وحلم العودة إلى الشرنقة
تعدّدت القراءات وتنوعّت بمرور الوقت، اشتغلت في لجان القراءة ولجان التحرير في بعض دور النشر، فاكتسبت خبرات مضاعفة، ظلت القراءة فرضًا يوميًّا لا أتكاسل عن تأديته، وفوجئت بوصول روايتي "صلاة القلق" للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (أو البوكر العربية)، وأدهشتني ردود الأفعال الجيدة والجيدة جدًا عن الرواية، فبدأت أحلم بالطيران، إلا أن طيف عباس ابن فرناس ظل يخاتلني بين التجسّد والتلاشي، أحسست أنني أكبت في داخلي حلم الفوز، وأدرّب نفسي ألا أتوقعه. وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة فواصلت تكميم الفرحة وتأجيلها، طرت إلى أبو ظبي بحلم واهن ينبض كجنين في ثالث شهور الحمل، أو رابعها، لا أعرف متى يخفق قلب الجنين بأولى النبضات، لكني أعرف أن قلبي خفق فور دخول القاعة في يوم الإعلان، وأنا، كمريض بالسكر وعدم انتظام ضربات القلب، شعرت بوخزة في صدري، وخشيت أن تنتابني نوبة قلق أو هلع، ، رحتُ أنظم الشهيق والزفير في صدري، حتى أٌعلن عن فوز الرواية، فزفرت كل مخاوفي وآلامي وشوقي إلى الغائبين، لكن الغريب، هو أن القلق لم يتوقف، بل راح ينمو، حتى يكاد اليوم يقتلني.
كم هو رائع أن يشعر الإنسان بالتحقق وأن ينال التقدير، فهذه غاية آمال البشر وفق هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية، لكني لا أعرف ماسلو، وهو بدوره لم يعرفني، لذلك لا أفترض أن كلماته تخصني، فأنا اليوم، وبعدما راجت الرواية وتسللت إلى أرفف الأكثر مبيعًا، وسال الكثير من الحبر في مدحها وذمها، وتقاذفتني أضواء الكاميرات ودعوات الصحف وصخب المدينة في ما بينها، أشعر أنني لا أنتمي إلى عالم الفراشات الملونة، فأنا لا أحب الضوء، وأفضل عليه عالم الخفافيش، حيث الظلام هو الونيس الأبدي، والصمت ترنيمة سلام.
الآن؛ أواصل القراءة، وأستكمل مشروعين روائيين أخّر العمل عليهما صخب القوائم والجوائز. أكتب بصفة شبه يوميّة. لا أحاول نشر أعمالي غير المنشورة، أنشد استراحة، ليست استراحة محارب، إنما استراحة جوادٍ أدرك لتوّه أنه عاش يركض، من دون أن يعي سبب للركض.
لقد أحدقتْ عوالم القراءة والكتابة ثورة في نفسٍ ظننتها ألفت المهادنة، فدفعتني إلى تغيير الكثير من الأمور في حياتي، وحادت بي عن مسارات ظننتني عنها لا أحيد، وانتحت بي إلى مسالك ظننت أنني فوتّها قبل عقود. هكذا بتّ، بفضل القراءة والكتابة، أكثر قدرة على فهم الحياة، وفهم نفسي، صرتُ أكثر حرصًا على ترك أثر في هذا العالم قبل أن أمضي، وأشد إصرارًا على بلوغ منتهى الأماني.
سادساً: ماذا بعد؟
يتبع...