حيث لا ينتظرني أحد، ورصد الانهيار إلى الداخل

رواية آسرة. مونولوج طويل يدور في عقل مأزوم، زمان متشظي، فقد وخسارات بالجملة، غياب للجدوى وإنكار لحتمية السعي في ظل إيمان راسخ باستحالة الوصول، هي حالة إنكار للغياب تدفع المرء إلى أقصى درجات التردّي...
ما الذي يدفع مدرّسًا جامعيًّا إلى التخلّي عن عمله وأبيه وبيت عائلته، والاستغناء الحرفيّ عن الحياة بكل مفرداتها الأساسية، والانتهاء إلى متشرّد يجول القرى في كولومبيا، فيعمل حمّالاً وساقيًا وحارس مخازن عصابات، جارًّا وراءه ماضيًا هو كل ما احتفظ به قبل السقوط؟
ثمّة حادث أليم وضعه عند حافة الهاوية، فمضى جسده بين دروب متشابكة كمتاهة، بينما ظلّت روحه تتأرجح على شفا السقوط. كأنما توقفت حياته في لحظة بعينها، اختلط في عقله كل ما تلاها...
ليس من السهل على كاتب ما، أن ينقل هذه الحالة العدميّة، حيث تصطرع رغبات الإنسحاب بالأفكار الفلسفية والرؤى الأدبية، وتتقافز المشاهد من زمن لآخر، ليقف القارئ داخل عقل متلعثم بكل ما يعنيه التلعثم من تردد وعجز وألم، معاينًا ميدان الخسارة، وركام إنسان.
هذه الكاتبة كتلة شعورية واعية، تقف على حدٍّ هو خطر كالسيف، ثم تنقل خطواتها بحرفية مبهرة بين لحظات الانهيار إلى الداخل، ونوبات التجلّي. لقد نجحت بونيت في جعلي أتصور كيفية إنهيار الإنسان كأنه مبنى قديمًا تقرّر تفجيره، فانطوى على نفسه محتضنًا حطامه.
حسنًا؛ هذه هي الصورة التي رأيتها هنا.
في الصفحات الأخيرة، لا يمكن ألا أتوقف أمام المشهد الأخير، العبقري، الذي لن أنساه أبدا، في تلك الغرفة حيث يكتمل اللقاء بين الماضي والراهن، ويلتحم الخوف بمصدره، ويتداخل الطيف والجسد، فيحتضن الحاضر ذكراه المؤلمة، لينصهر كل شيء في محاولة أخيرة للنجاة، ثم تمضي بنا السطور إلى حكمة غير معلنة، تهمس أن التشبث بالذكريات والوقوف عند لحظات الفقد حتمًا يعطّل الحياة، لكن مرافقتها كطيف لا يخضع للنسيان؛ يسمح -ربما- بالاستمرار...
اكتشاف مهم لكاتبة كبيرة وقديرة، ولدار نشر تونسية واعدة "كابصا"، وإيمان متجدد باقتناء كل نص أدبي يحمل اسم محمد الفولي
ترجمة هذا النص، أعني هنا الصياغة الأسلوبية وكيفية النقل إلى العربيّة، حتى يؤمن القارئ بأنه أمام نصٍّ كتب بالعربية، هي مهمة صعبة لا يبرع في أدائها سوى قلة من المترجمين، يتقدمهم محمد الفولي بأريحيّة. قليلون هم المترجمون الذين تقرأ عدة أعمال من ترجمتهم، فتستمع في كل مرة إلى صوت مختلف حد التباين عن سابقه، ذلك هو الصوت المتقن للنص الأصلي، مُغلفًا ببراعة وأمانة المترجم.
رواية من فئة الخمس نجوم 🙏❤️🌹