هاربر لي ودرتها اليتيمة

نحن هنا أمام أحد أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين وفق تقييم المختصين، وأحد أمتع وأهم وأقيم ما قرأت في حياتي. لهذا النص حكايات كثيرة، حكايات داخل النص، وقصص خارجه تتعلق بالكاتبة هاربر لي (١٩٢٦-٢٠١٦)، وحكاية أخرى تتعلق بكاتب هذه الكلمات.
وحيث أنني أتممت قراءة الرواية ليلة أمس، قررت اليوم أن أكتب عن حكايتي مغ هاربر لي، وعن حكاية هاربر لي معنا جميعا....
في سنة ٢٠١٠ تقريبًا، وبعد ٥٠ سنة من صدور النص الأصلي في أميركا، شاهدت غلاف الترجمة العربية الأولى للرواية، (الصورة إلى اليمين)، وكانت الرواية تحت الطبع لدى دار الشروق. كنت قد سمعت عن الرواية وحكاية الدرة اليتيمة للكاتبة هاربر لي، التي لم تكتب قبلها ولا بعدها، لذلك بقيت أتابع صدور الرواية لشهور امتدت لأكثر من عام، وصرت عميلا مزعجا أمر على مكتبات الشروق وأعرض لهم صورة الكتاب وأتساءل عن توقيت طرحه في المكتبات، وحسب ما أعرف، لم أشاهد طبعة دار الشروق حتى اليوم، ولو كانت صدرت في أي وقت بالفعل، فسأكون سعيدا اليوم باقتنائها، من باب الوفاء لهذه الحكاية...
عقب ذلك بسنوات، في سنة ٢٠١٦، صدرت الترجمة العربية لهذا العمل الروائي الخالد، عن الدار العربية للعلوم في لبنان، فسارعت باقتنائه، لكن ما أزعجني كان صدور الرواية قي مقاس ضخم (ربما ١٧×٢٤)، وهو أحد المقاسات غير المريحة في القراءة بالنسبة لي، لكنني اقتنيته بكل شغف، ووضعته في خطة القراءة منذ ذلك الوقت.
عرفت لاحقًا أن الرواية نفسها، وبالترجمة ذاتها كانت قد صدرت في سنة ٢٠١٥ عن دار التكوين في سوريا، لكنني لم أر هذه الطبعة أبدا.
وخلال تلك السنوات، صدرت في أميركا رواية جديدة لهاربر لي سنة ٢٠١٥، قبل وفاة الكاتبة بعام، وسرعان ما صدرت ترجمتها العربية عن الدار العربية للعلوم فاقتنيتها بذات الشغف القديم. خصوصًا لمّا قرأت في حينها أنها جزء ثانٍ يستكمل أحداث الرواية الأولى...
بعد تسويف وتأجيل وكسل، وخصومة طفولية مع مقاس الكتاب، استخرجت روايتي هاربر لي من المكتبة، في إطار خطة وضعتها لإنهاء حالة التأجيل التي لازمت بعض النصوص المهمة لسنوات طوال...
لن أتحدث هنا عن افتتاني برواية "أن تقتل عصفورًا ساخرًا" أو "لا تقتل عصفورًا بريئًا"، (الاسم الأصلي To kill a mocking bird). لكني ألخص انطباعي إذ أقول إنني أتمنى أن يقرأ أبنائي هذه الرواية العظيمة ذات يوم. قبل أن يقرأوا ما كتبته أنا.
وعلى الفور، انتقلت إلى الرواية الثانية لهاربر لي، والتي صدرت لتنسف نظرية الدرّة اليتيمة، العنوان الإنجليزي هو ( Go set a watch guard), وبالعربية (إذهب أقم حارسًا). لكنني شعرت بشيء من عدم الارتياح منذ الصفحات الأولى، فأجريت بحثًا دقيقًا عن ملابسات صدور هذه الرواية، فاكتشفت ما يلي:
١. في سنة ١٩٥٧، أرسلت هاربر لي مسودة روايتها الأولى إلى محررتها الأدبية، وكانت الحكاية تدور في خمسينيات القرن الماضي، مع استدعاءات كثيرة لمرحلة الثلاثينيات، حيث طور طفولة البطلة، وتشكل وعيها. أحبت المحررة النص، ولكن كثرة القفزات الزمنية بين زمني الرواية استوقفتها، فاقترحت على هاربر لي، أن تكتب الرواية كلها من منظور بطلتها في سن طفولتها، في ثلاثينيات القرن الماضي، وصادف الاقتراح قبولا لدى الكاتبة، فكتبت نصها الخالد، أن تقتل عصفورً ساخرًا، وصدر في سنة ١٩٦٠، ثم تحول إلى فيلم نال أكثر من جائزة أوسكار سنة ١٩٦٢.
٢. المسودة الأولى، ظلت لدى الناشر، وكانت هاربر لي، وشقيقتها أليس، محاميتها، ترفضان العودة إليها أو نشرها، باعتبارها مرحلة من كتابة النص، ولا شيء أكثر من ذلك.
٣. في سنة ٢٠١٥، توفيت أليس، شقيقة هاربر لي، وتولت محامية أخرى إدارة أعمالها، في وقت نقلت فيه هاربر لي، ابنة الـ ٨٩ عامًا آنذاك، إلى إحدى المصحات، بسبب الشيخوخة، واضطراب الوعي، والنسيان.
٤. ستموت هاربر لي في سنة ٢٠١٦، ولكنها بطريقة ما، قبل موتها بعام، ستفوض محاميتها الجديدة بنشر المسودة القديمة التي رفضت نشرها طوال ٥٥ سنة، وسيروج الناشر الأميركي للرواية بصفتها الجزء الثانية من رواية سنة ١٩٦٠، سيتدخل المحررون لحذف حقبة الثلاثينات من المسودة الأولى، والاكتفاء بخط الخمسينيات في النص، الأمر الذي يوحي للقارئ أنه أمام استكمال للنص الأول، لكنه سيفاجأ في بداية النص، باختلاف شخصية آتيكوس، والد البطلة، الذي عرفناه محاميا يدافع عن الزنوج في الثلاثينيات، حيث يظهر في الرواية الثانية غير ممانع لإقصاء الزنوج من الصورة، بصفتهم غير مستعدين للممارسة الديموقراطية!
٥. حقق الجزء الثاني من الرواية، ونحن الان نعرف أنه لم يكن هناك جزء ثاني أصلا، مبيعات قياسية، ربح الناشر عشرات الملايين، وكذا ورثة هاربر لي، ولكن، ستبقى ملابسات موافقة هاربر لي على نشر مسودة روايتها الوحيدة بصفتها جزء ثانٍ منها، محل استفهام كبير، خصوصا بمراجعة مواقفها السابقة، وحالتها الصحية والعقلية في زمن ممارسة هذه الحيلة غير الأمينة على القراء في العالم كله.
أخيرًا، ما تزال لدي مشكلة مع عنوان الرواية الوحيدة لهاربر لي، ومع أنني لا أفقه شيئًا في الترجمة الأدبية ولم أمارسها يومًا، فقد توصلت ببحث سريع إلى أن الـ mockingbird هو أسم لأحد أنواع الطيور، وهو معروف بقدرته على محاكاة أصوات طيور أخرى، لكنه لا يؤذي الزروع ولا يضرها، ومن هنا كان التفسير في متن الرواية، إذ تقول البطلة إن قتل هذا الطائر خطيئة، لأنه مسالم ولا يؤذي أحدًا، في إحالة إلى قصة توم روبنسون في الرواية، الشاب الزنجي الذي دفع ثمن كونه إنسانا ملوّنًا، رغم أنه لم يؤذ أحدًا...
من هنا قد يكون عنوان "أن تقتل طائرًا بريئًا" أفضل وأقرب من عنوان "أن تقتل عصفورًا ساخرًا" أو "لا تقتل عصفورًا ساخرًا".