محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

حديقة الضباب، العالم من زاوية معاكسة

حديقة الضباب — تان توان إنغ

عمل عبقري، فذ، لا ينسى!

ترجمة أكثر من رائعة...

حديقة الضباب أحد أفضل الأعمال التي قرأتها في حياتي! كيف استطاع تان توان إنغ أن يخلق حكاية تبدو هادئة في ظاهرها، وفي إيقاعها، بينما الغليان نهرٌ من الحمم يسري وراء أسطرها؟

ماليزيا، والحرب العالمية الثانية، ومعسكرات التعذيب اليابانية، وتناوب القوى الاستعمارية على قهر الشعوب. حكاياتٍ مريرة تجعل من حدث مثل إلقاء القنبلة الذرية يمرُّ فلا ينشغل به القارئ طويلا، فحجم الدمار في نفوس المظلومين أشدّ وأعتى من كل الدمار المشهود.

ذلك أن الألم الذي يكسر الروح ويسكنها فلا يغادرها، يكمن فيما لا يمكن وصفه ولا تصويره، أي أنه ذاك الحادث الذي لا تلتقطه الكاميرات، ولا يذكر في نشرات الأخبار...

صراع بين الحياة والموت، حرب طاحنة بين الذاكرة والرغبة، بين الأسطورة والواقع، بين الوعد والنجاة، بين الخلود في الرمز، والفناء في معنى الوفاء. حالة مبارزة بين القيمة التي تجسدها الفنون، والجدوى من صون الفنون كدلالة على استمرار الحياة، في ظل استباحة كل مظاهر الإنسانية وحقوق البشر.

كل هذا بلا صرخة واحدة، ولا نبرة قاسية، ولا استجداء للدموع، بل على العكس، نحن هنا نؤدي فروض التأمل، الطبيعة حاضرة بوجهيها، وسطوتها، وكل عناصرها، والإنسان حالة تناوب بين خريف وربيع.

فما الذي يشير إلى انتصار الحياة على الموت، أكثر من ضحية تقهر خوفها إذ تجد أمان الليل في حضن انعكاس باهت لجلاد قديم، ومن هارب فر من قسوة بني جلدته، ليجعل من ذاكرته وشمًا يعيش على ظهر ضحيتهم، قبل أن يشرع في التلاشي...

هذا عمل روائي لا يخضع لقوانين النسيان!