وحيدًا يموت الإنسان

عشت ستة أيام بين صفحات "وحيدًا يموت الإنسان"، وخرجت من عالمها وأنا في حيرة كبيرة، بين استمتاعي الكبير بهذا النص الروائي رغم ضخامته (٨٦٠ صفحة)، وبين استرجاعي لفكرة أنه مأخوذ عن قصة جرت أحداثها على أرض الواقع قبل أكثر من ثمانين سنة!
ومع اعترافي ببراعة فالادا وقدرته السردية الهائلة، المستمرة بطول صفحات النص، وملاحظتي حرصه على عدم الاستغراق في وصف آليات التعذيب وانتزاع الاعترافات، وعلى الرغم من معاناتي خلال العام الأخير من مشكلة ندرة الأحلام بسبب بعض العقاقير الدوائية، فقد عانيت ليلة انتهائي من قراءة الرواية؛ أسوأ تجربة مع النوم منذ عدة سنوات، كوابيس ضبابية التفاصيل تجري في أقبية التعذيب مع الزوجين أوتو وآنا جفانجل في زمن الرواية، استيقاظ لأكثر من خمس مرات خلال ساعات النوم السبع، تعرّق وضيق تنفس، بكل اختصار، لم أمضِ ليلة كهذه منذ ١٣ سنة!
لا أعرف هل أشكر السيد فالادا إذ قادني إلى استعادة جزئية للقدرة على الحلم، ولو كانت الاستعادة في صيغة كابوسية، أم ألعنه وألعن أوراقه وخياله المقتبس من حكاية واقعية!؟
في الحقيقة، ومن باب الإنصاف، أرى أنني مدين بالشكر العميق والصادق للسيد فالادا، وبالتقدير لشخصيات الرواية الحقيقية. ليس من السهل أن يكتب المرء نصًّا كهذا، ولو كان القارئ قد يصاب بالكوابيس لمجرد قراءة حكاية الزوجين جفانجل، فالمجد كل المجد لهذين الزوجين الشجاعين، إذ قررا أن يتحديا واحدة من أقسى وأبشع قوى الشر عبر تاريخ البشرية، بورقة وقلم، وقلب يؤمن بضرورة المقاومة...
قرأت طبعة منشورات حياة من هذا الرواية التي تترجمها اليوم كل دور النشر تقريبا، لكنني أشكر منشورات حياة على جودة الطباعة الفائقة، وأشكر المترجمة، د. نيرمين الشرقاوي على هذه الترجمة السلسة والمتميزة.