جو العظيم - تايتانيك الخمايسي، وطن ضائع في عرض البحر، بلا أمل، ولا ضمير، ولا ربان!
يخرج المبدع المصري أشرف الخمايسي، أخيرًا، من صومعة الموت والخلود، متلازمته الأدبية الأشهر، التي أفرزت للمكتبة العربية أربع روايات من طراز رفيع، أتقن فيها الخمايسي العزف على أوتار الجدل البشري المستديم، حول الحياة والموت، والبقاء والخلود، فداعب مخيلة القراء، وخلخل الثوابت، وعرج بنصوصه إلى مناطق بكر، لم يمسسها قلم من قبل.
في جو العظيم، يقدم لنا الخمايسي نصًّا شديد الرمزية، ثري بشخوصه المنتقاة بحرفية لتعبر عما دار ويدور في بر مصر في الأعوام الأخيرة، الأسماء والتراكيب والخلفيات لكل شخصية لها مدلول بيّن، لذلك فإن الرمزية في نص جو العظيم، أرادها كاتبها من دون مواراة ومراوغات، لتكون في مستوى القارئ المتوسط، الذي لا يلزمه الكثير من الحصافة ليصل كل رمز بما هو مرموز له.
نحن أمام شعب فاقد للأمل، مبتور الانتماء، يبحر ضد العقل والقانون، تحت قيادة ربان خرف، يعيش على أمجاد وهمية أنبتتها زهور النرجس المنثورة في مخيلته، قائد يظن أنه المخلص، فيمخر عباب البحر دون أدنى خطة موضوعة، دون قوانين تنظم العلاقة مع المسافرين، وبلا أي تخطيط احترازي، محتميًّا بقوة أمنية شديدة البلاهة والقسوة، تؤذي صورته بأكثر مما تحقق ما هو مرجو منها في تثبيت أركان قمرته المتهالكة.
نعود مرة أخرى لاختيار أسماء الشخوص، فالقبطان الواهم هو: "الريس زبيبة" الذي لا يعرف شيئا عن الصلاة، ولا عن الزبيبة! والشيخ السلفي: "بيضون الرائد"، وهذا يشي بالطبع وصانعه، والمثقف المتلون: "جرباية"، والمواطن المحايد الجمعي الراضي بكل شيء: "كلام طماطم"، وغير المبالي المتقوقع في شرنقة الأنا: "زغلول البيضا"، والمسيحي الغارق في شكوك الاضطهاد: "شندل فانوس"، فيما الأنثى الوحيدة على سطح الوطن الرحال، محط الأنظار، ومطمع الرجال، اختار لها الخمايسي اسم: "بهية"، ذات التاريخ غير البهي.
والحقيقة أنني وقفت حائرًا أمام اختيار اسم بهية بالذات، فمع الإقرار بشدة التصاق الاسم في الذاكرة الجمعية للمصريين، بلحن أغنية الشيخ إمام التي زين بها كلمات أحمد فؤاد نجم، والتي تمنح بهية صفة "مصر" الوطن، يجيء اختيار ماضي الشخصية المشين، ثم اختياراتها في خواتيم الرواية، ليعلق العديد من علامات الاستفهام في رقبة الخمايسي، حول القصد والهدف من التسمية، والاسقاط المراد تبليغه حين يمزج القارئ بين الاسم، والتاريخ، واختيارها المادي فور أن لاح في الأفق أمل شارد في خلاص مأمول.
وللخمايسي لغة متفردة، ومسالك سردية مغايرة للحكي التقليدي وإن أجاده صاحبه. مرة أخرى أجد الأستاذ يفض ستر العُرف، ويمزق أوصال المعتاد، في مزج بين اللغة الفصحى قوية البنيان، والفصحى الدارجة، التي يحلو للبعض تسميتها بالعامية الفصحى، ثم العامية الصادمة في بعض الآونة، والمزج هنا لا تختص به المقاطع الحوارية، بل يلتقطه الراوي من بين أسطر حوارية للشخوص، فيكمل به نسيج النص، مكتفيًا بإثارة الدهشة بمنهج سردي فُطر عليه الكاتب ولم يختره طواعية، فحقق له هويته الخاصة، ومكانته المستحقة!
كوميديا سوداء تدمع لها عيناك، فتحار إن كانت المقل حبلى بإشفاق على أولئك المقهورين في قاع البحر، في رحلة هروب محموم من الوطن في طياتها شبهة هروب من الحياة برمتها، أم أن الضحك المفرط هو ما أفاض بالأعين بشائر الدمع. بعض السرد يمزق نياط القلوب، وبعضه حزين مغمس في هزلية مفرطة، والحكاية آسرة، سوداوية شديد الالتصاق بالواقع، والاتساق مع التاريخ القريب، تهيل الحقائق على رؤوس النعام، وتنشط ذاكرة السمك، لتطلق صرخة تمزق حاجز الصوت، دون أن تُحدث ذات الصخب الذي تضيق به أذني القارئ في جمهورية كأن لعلاء الأسواني.
"جو العظيم"، مروية باكية، ولحن جنائزي يُعزف على كمان من خشب السنديان، يُمسك به عازف يرفل في ثوب أبيض، على شاطئ مهجور.
ويظل السؤال، هل جاء صوت الخمايسي -هذه المؤجرة- مسموعًا طيلة الوقت؟
أرى أن الكاتب أراد فضح التلون، والمتلونين الحربائيين المحتشدين فوق ظهر الوطن، في انتظار لمعجزة خلاص جديدة، بطلها حوت يفضح المكنون في الصدور، ويسيل كل الألوان المستعارة من فوق الوجوه، ومن طيات القلوب، لتصهر الناجين في بوتقة اللون الواحد، والرغبة الواحدة، والمرأة الواحدة...
فهل تقصر المسافات بين الأيدولوجيات المترامية على أطراف العقل البشري، وتتغلب الإنسانية على مفاهيم التعصب، إذا ما غاب الحاكم، واندثرت قوته الأمنية؟ مما يضع فرضية يطرحها الكاتب بضلوع الحاكم في تعميق الهوة بين الأيدولوجيات المتناحرة، بغية إنفاذ قانون في ظاهره حماية السفين، بينما هو موضوع لتثبيت قمرته بمسامير من الفولاذ؟!
لكل ما سبق، وانطلاقًا من الحرص على تمييز الألوان على وجوه المتلونين، ربما -لذلك- منحنا الكاتب راويًا عليمًا، متلونًا بدوره، فهو ينتحي إلى أيدولوجيات الشخوص، الواحدة تلو الأخرى، مدافعًا عنها، ثم مهاجمًا لها في تناول سردي لشخوص مغايرة، ويعيد ذات العبارات وبعض الجمل والتشبيهات بحذافيرها في مواضع متتالية، حتى يقف في نهاية أغلب مقاطع النص، فوق ذات العتبة التي أرادها منبرًا يكرر من فوقه ذات الصرخة: التبرير، وتكبيل الضمير بسلاسل المنفعة، هو -بالأساس- ما أغرق السفين!
ربما - فقط- ألوم على الكاتب هنا، إن سمح لي وهو الأستاذ المكين، استعارة عبارات مأثورة، لشخصيات معلومة، ودمجها في النص بطريقة شديدة الوضوح، فقدد وجدت -كقارئ- أن الإسقاط؛ كان واضحًا دون الالتجاء لهذه الاستعارات. ولكن؛ الله هو المنجي!
كذلك، شعرت بحاجة لاستفاضة أكثر في بعض المواضع، مع كامل تفهمي لظروف الطباعة وكلفة النشر، بيد أنني -ربما- رغبت في أن يمنحني الكاتب مساحة تصويرية أكبر، لبعض المشاهد، خصوصًا آخر ما شهده، وشهد عليه الريس زبيبة، في آخر ظهور له في صفحات الرواية، فأنا قيد اللحظة، أحاول تخيل كيفية مواجهته الأمر، فهل وجد نفسه كنبي في بطن الحوت؟ أم استقر ذنبه في يقينه؟ بخل علينا الخمايسي في توصيف نهايات بعض صانعي الحدث، و"خطفنا" في هذه اللحظة التي بعدها تشغل عقلي "الطماع"!
"جو العظيم"، نص بديع، تلزمه عدة قراءات نقدية لمن هم أقدر مني على تحليل واستجواب النصوص الأدبية، نص -أراه- يحمل تحولاً مهمًا في مسيرة الخمايسي، ويحمل بين دفتيه طرحًا جريئًا، خطرًا، صادماً، يخرج به من منطقته الروائية الخاصة، التي صنعت له جماهيريته، وجذبت له القراء، فهو يبحر بالقارئ في مغامرة أشد خطورة من إبحار الريس زبيبة بمهاجريه غير الشرعيين، ولكن الجرأة محسوبة ومطلوبة، والتجديد في حالتنا هذه يضيف ولا ينتقص من قامة الخمايسي، التي لا تطالها الاتهامات الشخصية، والمهاجمات المفرغة من المضامين.
《سرد بهية لفعل الخير الذي أدته لوجه الله، أراه بمثابة نص مواز للنص الأصلي، يغوص في فرصية انعدام القدرة على الفعل، ويحتمل الكثير من التأويل، ويتسع لعدة فرضيات حول شيوع "العجز عن الفعل"، من الحالة شديدة الخصوصبة في حكاية "بهية"، إلى العجز في مفهومه العام، هذه القطعة السردية التي جاءت بشكل تمهيدي عبر عدة اشارات، تستدعي -بمفردها- عشرات التفاسير ومئات العبارات التي لن تتسع لها قراءتي هذه، وربما يلزمها مقال منفصل يتسق مع مقام المشهد، وعبقريته!》
نهاية، حالة جدال جديدة سأعيشها مع الخمايسي -في ردهات عقلي- عقب انتهاء روايته، والعديد من الأمور ستظل قيد نقاش سيطول لأيام وأسابيع، عقب قراءة امتدت لأيام، فأمتعتني كقارئ، وأفادتني كمحب للكتابة.
#أشرف_الخمايسي
#جو_العظيم
#محمد_سمير_نداتاريخ النشر في المدونة: 2018-10-21