محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

اختبار الندم ، شظية الحرب التي استقرت في وجدان الأدب العربي (23 سبتمبر 2018)

42421116_1882341311854941_7586985446924615680_n.jpg
وكأنني أقرأ قصيدة شعرية تحولت في لحظتها الأخيرة إلى رواية! مرثية سورية غزلها شاعر مكين، بلغة شديدة الثراء، والعذوبة، بخيوط أقاصيص، وركام حكايات مبتورة، وأشلاء جثث، وأنقاض منازل، ودم، وركوة قهوة، وأشجار نارنج، وبقايا صور، وحروب تجابه الفقد باستنفار الذاكرة! لم يصف لنا الكاتب -الغارق في التردد والندم- تفاصيل الحرب، لم يتحيز لأي طرف، ولم يقع في فخ التجريم أو التبرئة لأي فصيل، لم يشيطن هذا أو يمجد ذاك، ولكنه انحاز للإنسان، فأزاح كل السُتر عن ندوب الحرب التي وُشمت فوق أجساد السوريين، وتسللت إلى أرواحهم، شروخًا، وثقوبًا لا ترتقها وعود الأنظمة بأمان زائف، مأمول. نحن أمام رواية غير مكتملة، عن روايات لا تكتمل، وأفلام لا تكتمل، وسيناريوهات لا تكتمل، نُقلت عن حيوات منقوصة، وآمال مطوية على سريتها، وأرواح مشوهة، يرويها راوٍ لا يعلن المؤلف عن اسمه، ولا يدس لنا في حشايا النص ما نستدل به على تاريخه الشخصي، هو واحد منا، هو المؤلف نفسه، وهو القارئ ذاته، وربما هو يحمل شيئًا من القراء كافة، وكأنه شخصية سحرية تحمل صفة من كل قارئ يمس أوراقه! والحكاية برمتها طيّعة، سيعيد القارئ كتابتها، مع كل قراءة جديدة، ليضع النهاية التي تتسق مع قناعاته، وتوائم ميوله، وتلبي رغباته العاطفية. ورغم أننا نقرأ حكاية بلا نهاية، لا ترتكز على بداية تعريفية مألوفة، إلا أننا نقف إمام واحد من أكثر النصوص الواقعية التي قرأتها خلال السنوات الأخيرة، فربما هي حكاية تشبه كل حيواتنا في عدم اكتمالها، وتسرب بداياتها من الذاكرة. كنت أقرا، فأسمع دوي سقوط القذائف، وأتابع النقاط فوق الحروف بينما تنزّ بأدخنة البارود، تجولت -خائفًا- مع خليل صويلح في أزقة دمشق، وساحاتها، ومقاهيها ومسارحها، حضرتُ مأساة الحرب، تعاطفت معه، وأشفقت عليه من وخز أنياب الضجر والندم المغروسة في خاصرته، تمامًا كما تعاطفت مع بطلاته وأشفقت عليهن، ما بين أسمهان المشتتة بين نقائض فكرية وشعورية، وتعيش في منأى وهمي عن صخب الحرب، برفقة اسم مستعار لا يواري هويتها، ونارنج، تلك الثمرة التي قضمتها الحرب فتركتها تبحث عن اكتمالٍ خيالي، تنتهي الرواية بأمل ضئيل في تحققه، وجمانة التي تدون الحاضر أسفل جفنيها حتى تثقل بها حمولها، فتجنح إلى مبارزة القبح بالجمال، ودعس ظلال الموت بشهوة الحياة، واخيرًا، خفق قلبي مع طيف هنادي الشهواني الهارب، مخلفًا وجعًا في ذاكرة تأبى إلا أن تسقطه. توحدت مع شخصيات من نسج الخيال وقد صبغها الحدث بواقعية دامغة، وعرفت الحب كدليل حياة وبرهان بقاء للجنس البشري، خصوصًا في أزمنة الحرب، وتحت سموات يمزقها القصف، حتى أنني رأيت في حضور المشهد الحميمي في خواتيم الرواية، برهانًا على أمل نابض في استمرار الحياة. وفي شلال السرد السوداوي، وتدوين عناوين أخبار الحرب بين السطور، بكيت شخوصًا حقيقيين، أضفى حضورهم على النص مزيدًا من المصداقية، وجعله لصيقًا بمخيلة القارئ، وإن ضاعف من الإلتباس حول هوية (الراوي غير العليم). هذا النص الأدبي الساحر، هو شظية ملطخة بالدم والغبار، انطلقت من قلب الحرب في سوريا، من تحت أنقاض التاريخ، لتستقر في ذاكرة المكتبة العربية، ياقوتة حمراء تنعكس عليها خيوط من أمل، وتترك جرحًا لن يواريه الندم، وأثرًا لن تمحوه زخارف الزمن، حتى بعد عقود من انقضاء آونة الاقتتال. أ. خليل صويلح، لقد عشت برفقتك سبع ليالٍ، عايشت خلالها يوميات الحسرة، واسترجعت عذابات الفقد، اعتدت تعداد الخسائر، وإهدار العمر أمام الحواجز الأمنية، دأبت على تدوين أسماء المغادرين إلى أسفل الأرض، أو إلى بطن المحيط، تعودت البحث عن الكتب الضائعة، وتفتيش مفتتحاتها واهداءاتها، أتقنت احصاء الآمال المهدرة على أعتاب الحروب، ورسبت في كل اختبارات الندم. لقد بكيت سوريا التي حكى لي عنها أبي، تذكرت أصدقاء الدراسة السوريين في بلاد المهجر، وهربت من تخيل مصائرهم. شكرًا على هذه الدرة الأدبية... وبانتظار المزيد والمزيد من الإبداع الروائي. * الأستاذ خليل صويلح، كاتب وصحفي سوري يعيش في دمشق حتى كتابة هذه السطور، صدرت له عدة روايات هي؛ عين الذئب، دع عنك لومي، سيأتيك الغزال، بريد عاجل، جنة البرابرة، زهور وسارة وناريمان، وراق الحب التي فازت بجائزة نجيب محفوظ عام ٢٠٠٩، واختبار الندم الفائزة بجائزة الشيخ زايد، علاوة على إصدارات نقدية وبحثية، مثل كتاب ضد المكتبة، وكتاب قانون حراسة الشهوة. بعض أعماله متواجده في مكتبة تنمية في وسط البلد. Khalil Sweileh #خليل_صويلح #اختبار_الندم #محمد_سمير_ندا
— ‎with Khalil Sweileh at ‎هاشيت أنطوان Hachette Antoine‎.

تاريخ النشر في المدونة: 2018-10-21

المصدر الأصلي على ووردبريس