محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

حدث في برلين (17 سبتمبر 2018)

41992034_1873458922743180_4184254506671800320_n.jpg نحن أمام نص روائي يحمل فكرة فريدة، ويتناولها بمنهج ذكي للغاية، حيث أن الزمن الذي تدور فيه الرواية، والذي أراه بطلًا أساسيًا للرواية- أي الزمن، والحقبة التاريخية التي تسرد وتوصّف الأحداث، لا أعتقد أنها قد جرى تناولها من قبل في أية كتابات عربية، عن نفسي لا أذكر رواية عربية تكلمت عن الهولوكوست النازي واقتربت من وقائعه بهذه الصورة، وبمثل هذا الحياد، من منظور عربي على الأقل. على النقيض، أجد أن الأوساط الثقافية العربية تسارع بإنكار الهولوكوست وكأن الأمر واجب قومي عروبي، رغم أننا -كعرب- لم نكن أحد أطرافه! وكأن حدوثه يتعارض مع المقدسات الدينية، والكتب السماوية. لذلك، أعتقد أن إقرار الكاتب ضمنيًا بحدوث الهولوكوست، سيكون سببًا وجيهًا لحرب أظن أن عليه -الكاتب- أن يبدأ في التأهب والاستعداد لها. نحن أمام عمل روائي بالغ التشويق، يجذب القارئ لمتابعة سياق أحداثه منذ البداية، دون أن يتعثر في أي مرحلة من السرد، فالإيقاع سريع، ورغم القفز بين الأزمنة من فصل لآخر، إلا أن الإيقاع لم يتعثر بين تلك القفزات، وأظن أن ذلك التكنيك في السرد قد ضاعف من جرعة التشويق لديّ كقارئ، خصوصًا وأن الأحداث الرئيسية ظلت منغلقة على أسرارها، ولم يكشف النص عن خباياها حتى أواخر الصفحات، وهو أمر يُحكم بنيان النص، ويوثق حرفية الكاتب الذي سبق له بلوغ قوائم جائزة البوكر برواية "جرافيت". شخصيًا، أحب إفساح مساحة مشاركةٍ للقارئ في النص، واستدراجه إلى النص بحيث يظل عقله منشغلاً بمتابعة السياق، وهو ما وجدته جليًا في "حدث في برلين"، لأن القارئ يتوجب عليه أن يكون في قمة تركيزه حال القراءة، كما قد يلزمه القيام بعدة مراجعات تاريخية لاستبيان الوقائع الحقيقية وفصلها عن الخيال، والتوقف للربط بين كل فصل بما يليه وما سبقه، الأمر الذي يستحوذ على جوانح القارئ ويُلزمه أن يُعمل عقله في النص، ليحلق بعيدًا عن الانخراط في قراءة اعتيادية متراخية تتسق مع قصص ما قبل النوم. تقنية تعدد الرواة -أو كما كان يسميها أبي رحمة الله عليه؛ "تواثب السرد"- بين أكثر من راوٍ، كانت مُثريًة للنص، إذ وضعت القارئ أمام مساحة مُقْنعة من الحياد، وقد نقل النص وجهات نظرٍ عن ذات الحدث، وذات الحكاية، عبر عدة شخوص تتباين رؤاهم في العموم، الأمر الذي جنح بالكاتب بعيدًا عن محاولة فرض وصاية ما، أو الانتصار لوجهة نظر بعينها، ربما حتى آخر خمس صفحات في الرواية، وبعض ما جاء في الحديث الإذاعي. ومن بين المثالب التي اختصني بها الله كقارئ ، يظل الطمع هو أبرزها، لذلك: فقد استشعرت وكأن بضعة فصولٍ من الرواية، قد حُذفت بحرفية تحول دون الإخلال بالسياق، فأنا كقارئ: كنت توّاقًا لمعرفة المزيد عن حياة ليلى في مصر بعيدًا عن حبها لفريد، وأجد أن إبراز الجانب الإنساني لإيخمان نفسه كان -ربما- ليضيف المزيد من الثراء للنص، كذلك مواكبة حياة ليليان في شيلي، والاقتراب من مراحل هيلدا الحياتية حتى موتها، أو عن حياة راشيل مائير، ربما كنت بحاجة كذلك لمونولوج بين فرانكو وابنه. ولكن أنا أعرف جيدًا ميل الكاتب لبث الرسائل الموجزة متقنة الصياغة، ونفوره من النصوص التي تعاني السمنة الروائية 😉، ولكنني رغم ذلك، لا أزال مقتنعًا أن الكاتب، رغم الإقرار بحرفية الحبكة والتكنيك، قد بَخَل علينا بفصول وجد أنها تنتقص من النص ولا تزيده، وأنا في هذا أعارضه إن سمح لي. "حدث في برلين" عمل روائي جريء ومتميز، لكاتب متمرس، وضع نصًا روائيًا على درجة عالية من التشويق والإحكام، يطرح أمورًا سيتوقف القارئ أمامها بعد الانتهاء من القراءة، علاوة على أنه حتمًا سيثير الكثير من المناقشات ويسيل الكثير من الحبر، ولكن كما أقول دائمًا، الرواية الجيدة، هي تلك التي ينشغل بها عقل القارئ عقب الانتهاء من قراءة آخر صفحاتها، وليست تلك التي تجذبه حتى يفرغ من حكايتها، فما يلبث أن ينساها. "حدث في برلين"، رواية من تلك الروايات التي -حتمًا- سوف تستجوب الكثير من المفاهيم والمُسلمات، لتقيم بالعقل بعد قراءة أوراقها، ريثما يستقر القارئ على إجابة نهائية لما طرَحَتْه عليه من استفهامات

تاريخ النشر في المدونة: 2018-10-21

المصدر الأصلي على ووردبريس