فسحة للجنون (13 سبتمبر 2018)
عمل أدبي فذ!
رواية لن تغادر أسوار العقل لفترة طويلة، ولعلها تقيم في مخيلة القارئ لديّ للأبد.
حكاية عن الضياع، عن "حكمت" الذي يرفض وحيدًا مغادرة مدينة لا يتذكر له وطنًا سواها، فيما تتعرض تلك المدينة الحدودية لوابل من القصف، ويعصف بسمواتها طوفان من الدمار، عن عامر التائه في ردهات عقل حكمت، ليطل تارة من عينيه، ويغيب تارات، هذه قصة عن الوجه المؤلم للحرب، عن تغييب العقل ما بين القهر والاختيار، عن العزلة، عن الخواء ومحو العقول، عن الجنوح إلى الخرائب وأطلال البنايات كبديل مضمون للمجهول، واستبدال رفقة البشر بمجالسة الحيوان، عن الاستبداد، عن عصف الواقع بزهور العشق البريء الأول، عن عذوبة جنون البشر إذا ما قورن بجنون آلات الحروب، عن ألف بؤرة للألم، وألف موضع للحزن، والصدمة، والضحك، والجنون؛ الجنون كملاذ أخير للهروب من الماضي، وإنكار حدوثه، عبر مبارزة دون كيشوتية للزمن!
فسحة خيالية، سحرية، يترجل فيها القارئ من فوق صهوة واقعة شديد التخبط، ليتجول رفقة الراحل الفذ، سعد محمد رحيم، في سراديب العقل، حيث دفقات متتالية من ضوء بكر، تنسكب على حقائق اخترنا -طواعية- أن نتعايش مع فرضية عدم وجودها، أو استحالة حدوثها!
صُدمنا جميعًا بوفاة الأستاذ سعد منذ شهور، وقد توقف قلبه بغتة، مأزوما بأحوال الوطن، واليوم، أستعيد حزني مضاعفًا بفقدان تلك القامة الأدبية الهامة، المتفردة، ويزداد الشجن لدي تلقائيًا، لكون بغداد هي وطن الميلاد، ومهد الطفولة الأولى، التي أعتز بتحيزي لها على طول الخط.
لم أعد مُتابعًا جيدًا لمواعيد الجوائز الأدبية الكبرى، منذ فترة، ولكن؛ عدم وجود رواية "فسحة للجنون" للراحل سعد رحيم في كافة القوائم النهائية للترشيحات هذا العام، سيعد أمرًا صادمًا للقارئ العربي بحق، تمامًا كاستبعاد رائعة خالد خليفة، الموت عمل شاق، من مجرد الترشح في القوائم الأوليّة، لكافة جوائز العام الماضي، أو ربما العام قبل الماضي، لست على يقين!
رحم الله الأستاذ الكبير سعد محمد رحيم، وطيب ثراه، وعطر سيرته بما يتسق مع قيمة الإبداع الذي تركه لنا، رغم محدوديته من حيث عدد الأعمال الإبداعية الصادرة له.
ملحوظتان أخيرتان:
١- للكاتب الكبير رواية أخرى فذة بعنوان مقتل بائع الكتب بلغت القائمة القصيرة للبوكر منذ عامين أو أكثر. له روايات سابقة هي غسق الكراكي، وترنيمة امرأة، وعدة مجموعات قصصية، كما أن له رواية فازت بجائزة كتارا منذ عامين، عنوانها "ظلال الجسد... ضفاف الرغبة"، ولم تنشر بعد.
٢- رواية فسحة للجنون صدرت عن دار سطور في العام ٢٠١٨، وأغلب الظن أنها، وكذا باقي أعمال الكاتب، موجودة لدى مكتبة تنمية، ومكتبة آفاق في وسط البلد.
#فسحة_للجنون
#سعد_محمد_رحيم
#دار_سطور
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2018-10-21