محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

نوميديا (18 مارس 2016)

1544307_975160572573024_1606010561739407627_n.jpg نوميديا رواية ساحرة بحق، فَـعَـلت ما عَجَزَت على الإتيان به أغلب الروايات، بأن اسْتَقـْـطَعت من يومي المشحون وقتاً يومياً لأوراقها، نوميديا أسرتني منذ البدايات، تماماً كما أسرت أوداد، اجتزتني من ضوضائي اليومية، وكأن قوى خفية قد أجبرتني على قراءتها! قوىً غامضة يستعذب المرء الانصياع لما تُكرهه عليه! القُراء الهواة، خاصة الخجولين، أو من هم دون العقدين من العمر منهم، سيتوقفون كثيراً أمام مساحة الجنس في مشاهد الرواية، سلباً وإيجاباً، إعجاباً ومعاداة، بل وربما يصنف بعضهم نوميديا بأنها رواية جنسية! ولكنني –ومع احترامي لكل الآراء-أقف من ذلك على النقيض، فوق الضفة الأخرى للنهر، حيث عاشت وتعيش نوميديا!!! نوميديا مرثية جنائزية عن ضياع الهوية، العربية رمزاً أو المغاربية قصداً، لا فارق بالنسبة لي! فالجزء حتماً يعبر عن الكل، هي قصيدة مرهفة عن الضياع إذن، صرخة مدوية عن أزمة وجود البطل، والتي ربما يصح تعميمها لتشمل ما يتجاوز شخص البطل! هي بكائية صاخبة يراد بها (ربما) أن تستنهض ما مات -او كاد يندثر-في دواخلنا العربية المشتتة، ما بين استعذاب الماضي، والتنازل عن آمال النضال دون نزال، والانجذاب الفطري إلى الغاصب الأجنبي (الملون)، القادم تحت ألوية الغد الأفضل! أما الجنس، مع تنوع أطرافه الأنثوية، فما هو إلا رمز صريح، يحقق من خلاله بطل الرواية ذاته التائهة، وحده دون غيره من مُحققات الذات، ما بين مضاجعة الحلم النضالي القديم (المعبر عن تخاذل فكر اليسار في الإصرار على التغيير)، ومضاجعة الماضي بما يعج به من مؤرقات وموجعات الأمور، ومضاجعة المستقبل الغربي الـمُضلل، ومضاجعة الخيال الهارب! والضياع بين هذا كله دون تحقيق حقيقي للذات! فهو فقط يهرب من مطاردة الماضي له، ليُضاع بين متاهات النساء، متصوراً أنه بذلك يتوارى عن أعين مُطارِده بين أجسادهن، دون أن يعي أنه كان يصطحبه معه، ليشاركه في كل فراش اعتلته شهواته! وعليه، فالجنس في نوميديا، أيها السادة، واحد من المحاور الأفقية للرواية، بينما ضياع الهوية (اغتراب النفس) هو المحور الرأسي الذي يقوم عليه البناء السردي ويرتكز، علاوة على محور آخر، هو الزمن، الذي لم يأت أفقياً تتسلسل من خلاله الأحداث وتتسرب من المهد إلى اللحد كما يجد الكثير من الروائيين أيسر كتابةً، ولكنه جاء على تداخلاته المتقنة، من أهم أعمدة السرد في الرواية، لذلك سيجد القارئ أن ذروة الأحداث، وأسرع إيقاعات السرد، لا تجئ مرتبطة بمشهد جنسي، بقدر ما يكون بناؤها مرتكزاً على أعتى لحظات الاغتراب، والضياع، والمرور بأقسى مواضع الزمن من عمر بطل الرواية. وإذا ما أردنا الحصول على المزيد من الإيضاح بهذا الخصوص، فقمنا باستنساخ منهاج أستاذنا أشرف الخمايسي في مطالعة وتقييم الأعمال الروائية، فحذفنا المشاهد التي تتقاذف فيها الذكريات بطل الرواية بين الأزمنة المختلفة، ما عاد لدينا نص أدبي، أما إذا ما حذفنا مشاهد الجنس الصريح، رغم كثرتها، سيظل لدينا نص أدبي واضح المعالم، متقن البناء! وعليه، فالجنس لم يكن –كما قلت- محور الرواية! عامة؛ يتوجب علينا ألا ننسى، أن من يجدون في ممارسة الجنس وسيلة مُثلى لاستشعار الحياة، هم كُثر بين عرب الشرق الأوسط، ولكن هذا موضوع آخر... في رأيي، لم ينتقص (قليلاً) من روعة السرد سوى الإسهاب في وصف مشاعر البطل، الأمر الذي أوحى في بعض المواضع بشيء من التكرار والإعادة. ولكن مرة أخرى، من الظلم أن يقال إن الجنس هو محور الأحداث أو حبكة الرواية وعمادها، لذا وجب التنبيه، فرجاءً، لا تضخموا الأمور 😊 التدفق الهادر لذكريات البطل طيلة الوقت، أرى أنه ظلم البطلة الرئيسية للرواية، وقلل من مساحتها بشكل واضح، فالحضور الطاغي لمراد، قد ساهم بشكل أو بآخر في تقديم جوليا، كجانية بلا دوافع محددة! ظلمت الرواية جوليا فلم تفرد لبنائها ما يلزم من الصفحات لشرح دوافعها، كنت أود الحصول على المزيد من المقدمات والإيضاحات حول حياة جوليا، وعلاقتها بزوجها وما قادها لاتخاذ مثل تلك القرارات الحياتية المصيرية، بغض النظر عن تفاوت قدرة القراء على استيعاب رمزية العلاقة بينها وبين البطل. في ذات الوقت، أغفل الكاتب –عامداً أو عن دون قصد-إلقاء الضوء على فترة زمنية كاملة من حياة البطل، فما بين مراد الذي لفظته الحياة من رحمها إلى زبل الشوارع، ليكافح في رحلته للتعلم والتفوق بمعونة من صديقه مصطفى، ومراد العائد إلى إغرم على قدر لا يستهان به من الثراء والنفوذ، تبدو الرواية وكأن صفحات قد اقتطعت من سياقها لتطمر هذه الفترة (الهامة) من حياة مراد، فاكتفت بإشارات ضعيفة حول تلك الفترة، والتي لابد وأن قسماً هاماً من وجدان البطل قد تشكل خلالها، خاصة وأنه فقد محبوبته خولة في هذه الفترة من حياته. ماذا عن تقنية الكتابة؟ اللغة حريرية، سلسة في شاعريتها، قوية المفردات، محكمة السرد في كل المواضع بخلاف ما ذكرت آنفاً حول تعطشي للمزيد من الإيضاحات، كذلك قدمت الرواية مجموعة بلاغيات بكر التي لم يمسسها قلم من قبل! فتمكن الكاتب من الخوض في أجواء لغوية لم تنتهكها أقلام الأولين... أحببت كثيراً تقنية تداخل الراوي، والتنقل بين الكاتب والمكتوب، والفاعل والمفعول به، ورأيت في تقنية الكاتب تحديثاً تجدر الإشارة إليه والتوقف أمامه بالإشادة، ولكن مهلاً: طارق بكاري، لا يمكن أن تكون تلك روايتك الأولى، لا تُخاتلنا! حقيقة أستشعر ثمة تشابه بين شخصينا –إن سمحت لي-فأنا أكاد أجزم أنك عشت مغرماً بالقراءة والكتابة، وكثيرا ما انغمست في عوالم القلم، وانخرطت في طقوسه السحرية، ثم، كان قرارك دائماً يقضي بعدم النشر باعتبار ما تكتبه شديد الخصوصية! ولا يخص أحداً سواك! حسناً، على الأقل هذا ما كنت أنا أفعله 😊 روايات القائمة القصيرة لهذا العام مُحيرة بحق، والقامات المتنافسة تستحق جائزة لكل منها، ولكنني، بمنتهى الحيادية، وبعد قراءات متفاوتة لأغلب الأعمال المرشحة، لا أواري يقيني وقناعتي، بأن فوز نوميديا (أو عطارد أو سماء قريبة من بيتنا)، سيكون إنصافاً مستحقا لجيل كامل، أدعي أنه يمثلني وإن كان الكاتب المغربي الموهوب، يصغرني بعشرة أعوام... نهاية، ليس كاتب هذه الكلمات بناقد نافذ البصيرة أو خبير بشئون الأدب، بل ما هو سوى كاتب مبتدئ بدوره، يسعده كثيراً أن يتوقف الناس يوماً عند أعماله الأولى، بمثل ما يتوقفون اليوم أمام عملك البديع، الذي أنصح الجميع باقتنائه 😊 شكراً طارق بكاري على هذه الوجبة الروحية واللغوية الدسمة، نوميديا عمل لك الحق أن تفخر بأنك كاتبه 😊

تاريخ النشر في المدونة: 2018-10-21

المصدر الأصلي على ووردبريس