محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

ملك الهند لجبور الدويهي … كيف يقرر التاريخ مصائر البشر

ملك الهند انتهيت من قراءة رواية ملك الهند للكاتب اللبناني جبور الدويهي، وهي الرواية التي بلغت منذ ساعات القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، ذلك الحدث الذي أمسى من المعتاد أن يصاحبه في كل عام ثمة حالة من اللغط والتشكيك في مصداقية الجائزة وحيادية لجنة التحكيم، وأحقية روايات بالترشح على حساب روايات، إلى آخره من مظاهر الجدل الثقافي الذي لا يدلل في النهاية سوى على حجم المتابعة والاهتمام الشديد بالجائزة في كل الأوساط الثقافية، بما يرسخ حقيقة كونها الجائزة الأكبر والأكثر شهرة، والأكثر مطاردة بين الأدباء. انتهيت من الرواية في جلسة قراءة واحدة، وفي غضون زمن لم بتجاوز ساعات ثلاث، والحقيقة أننا أمام رواية حافلة بالتشويق، عامرة بالتساؤلات، متقنة البناء، تسرد حكايتها أحداثًا تبدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر، وصولاً إلى اللحطة الراهنة، مرورًا بالعديد من المتغيرات والأحداث التي جرت في لبنان خلال تلك الفترة الزمنية من بين الاجتياح الإسرائيلي والحرب الأهلية والصراع الطائفي. الحكاية بالأساس عن مهاجر لبناني يعود إلى قريته كسيرًا مهيض الجناح، ليلقى مصرعه في ثاني فصول الرواية، تاركًا للقارئ مهمة مشاركة المحقق في سبر أغوار القصة، وربط الخيوط المبتورة جغرافيًا بين لبنان وأوروبا والولايات المتحدة، ومن ثم إيجاد الجاني، إلا أن اللغزية التي تسيج كل التفاصيل الشخصية الخاصة بالقتيل، ومن خلفه ذلك التاريخ العائلي العامر بالتوتر والطائفية، كل تلك أمور جعلت الأمر في غاية الصعوبة. زكريا مبارك، الشاب الذي أدمن الهرب طيلة الوقت، الهرب من وطن تجتاحه الدبابات الإسرائيلية، الهرب من أحضان كل امرأة بنجذب لها عاطفيًا، الهرب من العودة، ثم الهرب من الغربة ذاتها، بعد أن هربت من بين يديه آخر مسوغات البقاء ومسبباته، متمثلاً في ابنته ضحية عنصرية وطائفية أخرى في بلاد العم سام، يعود أخيرًا بقوة دفع خائرة إلى وطنه، حاملًأ ذكريات جمعها من أحضان النسوة اللاتي عشقهن، وأهمها لوحة يفترض بها أن تدر عليه ملايين الدولارات، يعود إلى حيث تنتطره تسويات موروثة لأمور معلقة، ما بين أبناء عمومة يطالبون بإرث حرمهم منه الجد، ونار لا تخمد تحت الرماد، حطبها نزاع طائفي بين الدروز والموارنه، عمره عشرات السنين. يُقتل زكريا، أو ينتحر، الرواية لن تصدر حكمًأ نهائيًأ في هذا الخصوص، حتى وإن أغلقت القضية على الطريقة القانونية العربية، التي لا تعارض التدليس والتزييف لإغلاق ملف استعصى على القاضي، تبقى الحقيقة أن زكريا قد دفع ثمنًا لتاريخ مفعم بالصراعات والتناحر، حتى وإن كان ذلك تاريخ لا يخصه، ولا يد له في حدوثه، إلا أنه رغم ذلك؛ يدفع الثمن، كأي عربي يسدد حتى وقت كتابة هذه السطور فواتير لحسابات لا تخصه. رواية عن الغربة، عن الطائفية، عن الهرب، عن الضياع والتشتت العربي، وعن التاريخ الدامي الذي يطارنا إلى اليوم، وعن الأثمان التي ندفعها دون ذنب اقترفته أيادينا. الرواية رائعة، مشوقة، تستحق بلوع منصات التكريم في البوكر، ذلك دون إغفال لعظمة أعمال أخرى استحقت الترشح للقوائم القصيرة والطويلة بدورها، إلا أن القائمة الفصيرة بكل أسف تختار فقط ستة أعمال من القامئة الطويلة. قرأت منها حتى الآن روايتي التانكي وملك الهند، وهما هعملان يستحقان بلا شك الوصول لهذه المرحلة، إلا أنني من منظور شخصي، وحسب ذائقتي القرائية، كنت آمل أن تكون رواية خالد خليفة تحديدًا ضمن القائمة القصيرة للبوكر، فهي عمل استثنائي لافت وملحمي، كان يستحق الأفضل من ذلك، إلا أن الأمر عائد للجان التحكيم. شكر وتقدير للكاتب اللبناني القدير جبور الدويهي، الاسم المألوف والمتكرر إدراج روايات في قوائم البوكر، استمتعت بالرواية كثيرًا، وفي انتظار القادم من أعمالك.

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10

المصدر الأصلي على ووردبريس