محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

العابرة …. ومحنة عبور الوطن

العابرة في روايته الأحدث “العابرة”، الصادرة في طبعة فخمة شديدة التميز عن منشورات المتوسط-ميلانو، يقدم الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد حكاية كاشفة وصادمة تضعه في مواجهة مباشرة مع النظام المصري الحالي، عبر تفنيد وتأريخ المعاناة اليومية للشباب المصري في مواجهته مع شتى أساليب القمع الأمني الحكومي، وما قد يفرزه القمع الهمجي من خلق للعنف المضاد، وصولاً إلى إماطة اللثام عن أزمة وطن فشل في مرحلة التحول (العبور) في أعقاب الثورة. نحن أمام حكاية شيقة، هي في ظاهرها رصد لتحول “ترانسجيندر” مصرية من طور الأنوثة إلى الذكورة، وما يتزامن مع ذلك وما يتبعه من مشكلة تحديد الهوية الجنسية والنفسية لبطل/بطلة العمل، إلا أن اللوحة السردية تتسع لتنثر وتشتل العشرات من علامات الاستفهام حول صورة أكثر عمومية لأزمة العبور والتحول من حالة إلى أخرى، فالوطن بأكمله كما وصفته البطلة في قسم الرواية الأول، وطن ترانسجيندر، حائر في هويته، تائه وممزق ما بين حالتين متناقضتين، ذلك الوطن الذي تصورنا أنه عبر من حالة الثورة إلى حالة الحرية والاستقرار، أكثر من مرة، لا يزال حائرً مقهورًا، ولا يزال مواطنوه يعانون تحت وطأة الرقابة الأمنية داخل أروقة الجامعة، وفي شوارع وسط البلد وعلى المقاهي والكافيهات، الرواية تظلل هذا الطرح بحروف جليّة، تستمر بطول أحداث الرواية، وتضرب عشرات الأمثلة على ذلك القهر المتواصل باضطراد وكأن شيئًا لم يكن منذ 2011 وحتى 2019 زمن الرواية الفعلي، مكونة سؤالها الرئيسي: هل نجح الوطن في العبور؟ لغة الرواية جاءت بسيطة ومباشرة، بعيدة عن الزخرفة اللغوية والألفاظ المعجمية، سلسة يطعمها حوار بالعامية الدارجة في أقسام كثيرة من السرد، وهذا أمر يتسق مع كون الكاتب مهموم بوضع الشباب اليوم، متابع ماهر لما يجيش بوجدانهم وراصد دقيق لإحباطاتهم وأحلامهم المبتورة، حقيقة لم أقرأ مؤخرًا رواية لكبار الكتاب المصريين حملت هذا القدر من الانشغال الصادق بتكوين الشباب المصري وما يعتمل في نفوسهم في مواجهة القمع الحكومي اليومي. الرواية جاءت مقسمة على شطرين، وإن ظل الراوي العليم هو المتحكم في القسم الأعظم من السرد، في الشطر الأول نواجه الحياة من منظور لمياء وأزمتها، وفي الشطر الثاني نواجه ذات الحياة من منظور حمزة الذي أصبحته لمياء. وفي كلا الشطرين، تتماس مظاهر أزمة العبور وتتشكل بوضوح، للفرد وللوطن على حد سواء، مع تطعيم الأحداث بلوحات سريالية جاءت في هيئة أحلام رمزية تراود الأبطال ما بين النوم واليقظة، تلك المشاهد ومدلولاتها كانت في وجهة نظري من أهم عناصر قوة النص، في سردها، وموقعها في النص، وما ترمي إليه. الرواية حافلة بالترميز والإسقاط، فاضحة للعديد من الممارسات داخل الحرم الجامعي، وللعلاقة الأمنية المتينة والتاريخية التي تربط إدارات الجامعات بالأمن الوطني والعام. بين فصول الرواية نتطلع على عوالم حقيقية موجودة وإن كانت غير معلنة، ما بين عوالم السحاقيات والشذوذ، والمخبرين السريين بين الطلبة وفي إدارة جامعاتهم، والتردي الثقافي، والجامعي، ومظاهر التدين الوهابي داخل الأسرة المصرية، كما تلقي الأحداث الضوء على ما قد يفرزه القمع العشوائي وامتهان كرامة الشباب من عملية خلق للعنف المضاد، وكيف لصفعة واحدة أن تحول الموظف الحكومي، الفنان والمثقف، إلى شخص على استعداد لاستخدام كل آليات العنف المسلح ثأرًا لكرامته، وكيف لقلوب العاهرات أن تتسع رحمتها لتتقبل وجود حمزة في السجن النسائي، فيما الدولة وأجهزتها لا تعترف بالحالة، ولا تضم مفرداتها ذات الرحمة التي أبدتها العاهرات والمجرمات. هل نجح الوطن في العبور؟ وهل نجحت الشخصية الرئيسية في العبور من “لمياء” إلى “حمزة”، النهاية مفتوحة، وإن كانت كل الشواهد تبشر بألم مخاض لا يحتمل لتحقيق العبور المنشود، فهل نعيش حتى نشهد على تحقق الأمل، الشخصي والوطني في عبور آمن إلى السلام والحرية اللائقة بشعب بذل ما بذله في محاولاته المستمر والحثيثة للعبور إلى النور؟ حقيقة، ينتابني الخوف على مصير الرواية، فهي قد تمنع أو تحجب أو تصادر في أية لحظة، لذلك أنصح كل الشباب من جيلي والأصغر من سناً بالمسارعة باقتنائها، فهي شهادة قبل أن تكون رواية، حالة تأريخ وتسجيل وتدوين لمفردات ووقائع عصر تهرب الغالبية من تناوله، فأغلب الكتاب، وأغلب كبريات دور النشر في بر المحروسة تعمل على نشر الكتابة الآمنة بعيدًا كل البعد عن المحرمات السياسية والدينية والجنسية، خصوصًا السياسية، فالأمور فيما يخص الحرية الدينية والجنسية في الكتابة باتت مسموحة إلى حد ما. لذلك نجد أن هذه الرواية منشورة في إيطاليا، لأنها لم تكن لتنشر في مصر في صورتها الحالية، فعلى أقل تقدير، كانت لجان القراءة في دور النشر المصرية الكبيرة لتوصي بحذف ما يقارب 150 صفحة، واستبدال أسماء وأشخاص وأزمنة ومطارح، وربما تغيير الموضوع 😊 أتوجه بتحية وشكر لأستاذنا إبراهيم عبد المجيد، عمل أدبي متميز، وطرح جريء في محله، وتغريد حر في منأى عن مسارات أسراب الثقافة المصرية “المستكينة”، فقط أتمنى ألا تتسبب له الرواية في أية أزمات شخصية أو كتابية، وأتمنى أن تتسع رقعة الحرية لدى الجميع لتمزق أكاذيب الكتابة الآمنة داخل صندوق المسموحات، وأن يكون لدينا عشرات الروايات التي تحذو حذو “العابرة” في كشف وفضح وتأريخ الحياة اليومية في مصر في سنوات ما بعد الثورة. الرواية متواجدة في مكتبة تنمية، وسعرها 150 جنيه، والسعر هنا متسق مع جودة الطباعة والإخراج الفني المبهر، والغلاف البديع لخالد الناصري، ومن قبل ذلك وبعده، الجودة الأدبية والفنية للرواية تستحق ما هو أكثر بكثير من 150 جنيه، سارعوا بالشراء قبل المصادرة 😊

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10

المصدر الأصلي على ووردبريس