محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

قراءات شهر يناير ٢٠٢٠

قراءات 2019 (1).jpg تحذير: كتابة طويلة نسبيًا عن بعض الروايات للمهتمين بالقراءة فقط قراءات شهر يناير 2020 القائمة الافتتاحية لقراءات أول شهور عام 2020 بلغت 16 رواية عربية ومترجمة، جولة هذا الشر كانت ثرية في تنوعها بين مدارس أدبية مختلفة وأقلام أقرأ لها للمرة الأولى، في النهاية كانت الحصيلة ممتعة ومرضية للغاية 😊 • “أبناء وأحذية” للروائي العراقي محسن الرملي، صادرة عن دار المدى: عمل استثنائي بحق، حكاية تعكس خيال شديد الخصوبة للمبدع العراقي صاحب المشروع الأدبي المتميز، شاب عراقي يفجع في وفاة رضيعته التي جاءت كثمرة لقصة حب ملتهب وزواج على غير رغبة الكثيرين، فيتحول إلى مانح لبذور الأجنة لكل النساء اللاتي سيلقاهن فيما بعد، حتى يغدو لديه 27 طفلاً من نساء توزعن على الخريطة فيما بين أسبانيا وكولومبيا، معزوفة شجن تثير الوجدان وتستجلب مرة أخرى الأسى لما آلت إليه شئون العراق، فبرغم هجرة البطل، فإن الرواية لا تحيد لحظة واحدة عن التماس مع الواقع العراقي اليومي، فهناك تبتدئ، وتستمر، وتظل حاضرة حتى النهاية، حكاية بحث عن هوية مفقودة تمزقت على عتبات الصراعات في العراق، عن مفاهيم القدر والمصير والصبر والموت والضياع، عن القرارات التي نتخذها طواعية، وعن تلك التي نجبر على اتخاذها. كتابة تصويرية تنقلك إلى التجول في جغرافية الرواية الثرية، وتطلعك على تفاصيل الشخوص وكأنك تجالسهم، شخصيات متنوعة متقنة بشكل احترافي، لغة عذبة، سرد سلس وجذاب، رواية تستحق بكل جدارة ترشحها في قائمة الشيخ زايد، وتستحق كذلك العلامة الكاملة. شكرًا محسن الرملي على هذه الرواية، التي لا يعيبها في وجهة نظري سوى صغر حجم فونط الكتابة الذي أجهدني قليلاً. • “حمام الذهب” للروائي التونسي محمد عيسى المؤدب، في إصدار مشترك بين داري مسعى ومسكيليانى: هذا هو تعارفي الأول مع الأديب التونسي عيسى المؤدب، وبكل تأكيد لن يكون الأخير، الرواية التي لفت إليها الأنظار ترشحها في قوائم البوكر الطويلة، هي في واقع الأمر رواية ممتعة، مزج رائق بين الخرافة والتاريخ، وحكاية مشوقة من التراث الشعبي التونسي، عن حمام الذهب والجن بلاع الصبايا، على إيقاع قصص حب شديدة العذوبة حطبها غرام يعقده اختلاف الأديان ويعوق انسيابيته، شخوص تائهة بين صراعات تعتمل في عقولهم، وأسطورة تجتذب كل هؤلاء الشخوص إلى دوامتها الأخيرة كمصير محتوم. الرواية قدمت كذلك سرد تفصيلي فريد عن حياة اليهود في تونس، وأماطت اللثام عن الكثير من الاضطهاد الذي خضع له اليهود في بلدانهم العربية لأسباب ومآرب متنوعة. عن تاريخ اليهود المدفون في تونس، وعن الرغبة في إيجاده. عمل آخر يستحق العلامة الكاملة عن جدارة. • “أرواح صخرات العسل” للروائي السوري ممدوح عزام، صادرة عن دار ممدوح عدوان – سرد: رواية أخرى شديدة التميز شقت طريقها بكل استحقاق نحو القائمة الطويلة للشيخ زايد، الرواية تتبع مصائر ثلاثة أصدقاء في قرية سورية، وعبر نبوءة أولية، يتعرف القارئ على نشأة وتطور كل من عابد، وحامد، وخالد، بعدما افتتحت الرواية بتقرير مصيرهم ونهايتهم الحزينة، وهو ربما الأمر الذي لم أحبه كثيرًا، إلا أن الرواية تظل شيقة رغم معرفة الخواتيم من الصفحة الأولى، والحكاية ثرية بالتفاصيل تضفر قصص الغرام والسلطة والثورة والبحث عن الهوية عبر علاقات متداخلة بين الشخوص وأسرهم ومعلميهم وأقرانهم، مع صوت شجي مكثف بطول الأحداث تفرضه المعرفة المبكرة لمصائر الأبطال الثلاثة، عمل شديد آخر التميز عن الوجع السوري، وآلة الحرب التي تجتث أحلام الشباب وأرواحهم على حد سواء. • “حجر الصبر” للروائي الأفغانستاني الفرنسي عتيق رحيمي، صادرة عن دار الساقي بترجمة لصالح الأشمر، وهي الرواية الحاصلة على جائزة الغونكور لعام 2008: مرثية صادمة عن زمان الحرب في أفغانستان، مأساة وطن بأكمله يتم اختزالها في غرفة واحدة، حيث امرأة تعتني بزوجها المصاب، الراقد في غيبوبة طويلة، وأمام جلال سكون اللحظات المتتاليات، تتفجر لدى المرأى طاقة حكي شهرزادية فريدة، فتبوح بكل ما لم تجرؤ على مواجهته به، تبث طاقة شجونها على جسد أصم مسجى أمامها، تتلو صلواتها واعترافاتها على حد سواء، في حكاية تبدأ وتنتهي دون أن يتعرف القارئ على أسماء أبطالها، هي حالة روائية فريدة استحقت بكل تأكيد ما بلغته فوق منصات التكريم. • “النباتية” للروائية الكورية هان كانغ، صادرة عن دار التنوير بترجمة لمحمود عبد الغفار، وهي الرواية الفائزة بجائزة المان بوكر 2016: رواية مقبضة، أراها فلسفية بامتياز، وكأنها انتفاضة للجسد على كافة الموجودات المادية، امرأة تقرر تدريجيًا التوقف عن تناول اللحوم والتحول إلى امرأة نباتية، ثم تتوقف تدريجيًا عن تناول الأطعمة في العموم. حكاية عن التمرد على مادية الجسد، عن فلسفة الموت وأحقية الموجودات في الحياة، تروى عبر ثلاثة أقسام، القسم الأول لزوج البطلة، والثاني لزوج شقيقتها الذي تجمعه بها تجربة حسية يتماهى فيها جسديهما في إطار لوحة فريدة وغريبة، والقسم الأخير لأخت البطلة، ومعاناتها على أكثر من صعيد ما بين الحفاظ على حياة أختها، وترميم الانهيار الذي ألم بحياتها كنتيجة منطقية لعلاقة زوجها بأختها. عمل بديع، رغم ما يحمله من أجواء مقبضة وسوداوية، يستحق بكل تأكيد القراءة. • “البحيرة السوداء” للروائية الهولندية هيلا هاسة، صادرة ضمن ترجمات الكرمة، وبترجمة لأمينة عابد: رواية أخرى متميزة من مشروع الكرمة للترجمة، تتبع سيرة صداقة بريئة بين طفلين أحدهما يمثل المستعمر والآخر يمثل أبناء الوطن المسلوب، عبر الأحداث تبرز الرواية تباين العلاقة شديدة الخصوصية بين الطفلين حتى يتحولا من طور الصداقة والرباط شديد الإحكام الذي جمع مصائرهما ورحلاتهما لاستكشاف الحياة إلى طور المواجهة السافرة بين أيدولوجيتين باتتا مختلفتين وبعيدتين كل البعد عن عهود الصداقة الأولى، رواية قصيرة وممتعة تستحق القراءة. • “حلم” للروائي النمساوي أرتور شنيتسلر، صادرة ضمن ترجمات الكرمة المتميزة، وبترجمة لسمير جريس: عمل آخر شديد التميز من ترجمات الكرمة، رواية قصيرة أخرى أرى أنها حكاية نفسية عن تذبذب مؤشرات العلاقة بين زوجين في لحظة واحدة جنحا فيها إلى مغامرة ما، أتبعاها ببوح طوعي عن أفكار وأحلام تراودهما رغم الاستقرار الشكلي لعلاقتهما، رواية مشوقة سينتهي منها القارئ في جلسة واحدة على الأرجح. • “أزهار عباد الشمس العمياء” للروائي الأسباني ألبرتو مينديس، صادرة عن دار مسكيليانى بترجمة لعبد اللطيف البازي: أربعة هزائم يتنقل بينها الكاتب ببراعة شديدة، وسط أجواء مقبضة عبر مرحلة دموية من تاريخ إسبانيا، وحروب نتتبع آثارها ونشهد دمارها المحسوس والملموس عبر أربع مرويات متتالية ومتوازية تجمع بينها خيوط شديدة الدقة والإحكام، رواية رحل كاتبها قبل أن يشهد نجاحها ودون أن يؤلف عملاً روائيًا سواها، ولكن الكلمات باقية لتشهد على إبداع ألبرتو منديس، وبراعته في حبك حكايته الوحيدة. • “إيزابيل” للروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي، صادرة عن دار الساقي بترجمة لنبيل رضا المهايني: رواية مثيرة وغامضة يتتبع فيها البطل آثار فتاة مناضلة ضد دكتاتورية سالازار في البرتغال في ستينيات القرن الماضي، البطل يتقصى الأخبار ويستجوب الأقدار بحثًا عن إيزابيل، والقارئ يمسي شريكًا في مضامير البحث، متعاطفًا مع البطلة الخفية، حكاية مشوقة في النهاية. • “حب في سردينيا” للكاتبة الإيطالية ميلينا آغوس، صادرة عن دار الساقي بترجمة لنبيل رضا المهايني: حكاية أخرى عن الحب والمغامرة والحرية، عن الحرب، عن نزوة تترسخ في وجدان امرأة طيلة حياتها، وكيف للحظة واحدة، وليلة واحدة أن تغير مسار حياة بأكملها، عن حلم ضائع وأمل لا يشيخ في لقاء تجعله الآمال محتملاً، فيما الوقائع تحمل نهاية مغايرة بعد كل تلك السنين. قصة حب وتمرد تنبض بالعشق، تستحق القراءة. • “هيا نشتر شاعرًا” للروائي البرتغالي أفونسو كروش، صادرة عن دار مسكيليانى بترجمة عبد الجليل العربي: عمل رمزي يحمل رسالة مباشرة، وتبث رسالة تحذير من مغبات الانخراط في مفردات الحياة المادية وإهمال الجانب الحسي والروحي. وعلى رمزية النص ومباشرته، إلا أنني استمتعت به رغم غرائبية أفونسو كروش وعوالمه الخيالية الفانتازية، رواية قصيرة ممتعة. • “رسالة من مجهولة” للروائي النمساوي ستيفان تزفايغ، صادرة عن دار مسكيليانى بترجمة لأبو بكر العيادي: حكاية مفزعة عن كاتب يتلقى رسالة من امرأة دارت في مدارات حياة طيلة عقدين من عمرها دون أن يلحظ وجودها رغم أنها تكتب له في اللحظة التي فقدت فيها ابنًا أنجبته منه هو تحديدًا! شعور مرعب أن يستقبل إنسانًا خطاباً كذلك الذي استلمه الكاتب من تلك المرأة المجهولة، تزفايغ هو رائد النوفيلا وفق ظني وربما يكون أبرع من أجاد في هذ النوع من الكتابة القصصية، روايته هذه، على قصرها مليئة بالمشاعر والأحاسيس المتناقضة، ما بين التعاطف مع المرأة والشفقة على الكاتب نظرًا لوقع الرسالة عليه، وقبل ذلك وبعده: الدهشة! عمل ممتع. • “ساعي بريد نيرودا” للروائي التشيلي أنطونيو سكارميتا، صادرة عن دار ممدوح عدوان-سرد بترجمة للعظيم الراحل صالح علماني: حكاية عن ساعي بريد يتلخص عمله في تسليم البريد لشاعر تشيلي الأعظم بابلو نيرودا، وما ينشأ بينهما من علاقة خاصة يفرزها التعامل اليومي بينهما، كل ذلك على إيقاع الأحداث السياسية في تشيلي والتغيرات التي تلقي بظلالها على علاقة الشاب بالشعر، مرورًا بقصص الحب والصيد والسياسة وأحلام المراهقة. تحية واجبة لروح صالح علماني على ترجمته لهذ النص الماتع. • “أب سينيمائي” للروائي التشيلي أنطونيو سكارميتا، صادرة عن دار ممدوح عدوان-سرد بترجمة لعمار الأتاسي: عمل آخر لسكارميتا شجعني على قراءته العمل السابق عن نيرودا، الواقع أن الأمر هنا أقل إبهارًا، رغم جودة الحكاية وإحكام بنيانها إلا أنها جاءت أقصر مما ينبغي على ما أظن، هي قصة عن الفقد، فقدان الأب وما يتركه ذلك الاختفاء المباغت في نفس بطل الرواية، تمامًا كما هي قصة عن التعقل والمغفرة حين يلتقي البطل بأبيه فيما بعد، وقد اختار كل منهما نمط الحياة الذي يرتضيه. عمل جيد. • “ذاكرة غانياتي الحزينات” للمبدع الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز، صادرة عن المدى بترجمة للراحل صالح علماني: في إطار استكمال تحضيراتي لقراءة رواية طعم النوم، وبعد قراءة رائعة منزل الجميلات النائمات لكاواباتا، جاء الدور على قراءة النسخة الماركيزية لهذه الحالة الروائية، والحق أن ماركيز هنا يبدو شديد التأثر بحكاية كاواباتا، رغم التنويع والتغيير في حالة الشخوص وطبيعة الدار التي يلجأ إليها البطل واختلاف المرحلة العمرية، اتفق البطلان على البحث عن استكمال الحياة والشعور بعنفوانها واستمراريتها عبر مغامرة أخيرة قوامها جسد فتاة صغيرة، نائمة في حالة كاواباتا، عذراء غير واعية أو مدركة في رواية ماركيز، والبطلان في النهاية يعجزان عن الفعل لأسباب متباينة ما بين الانخراط في اجترار الماضي واسترجاع ما هو مدون في التاريخ النسائي للبطل، وما يعتمل في صدر البطل من مشاعر مختلطة بين الرغبة والأبوة والحنان والعطف. فهل هو حقًا باحث عن متعة؟ أم عن سكينة؟ أم عن حياة، أم عن تأهب للموت، أم عن نوبة نعاس هادئ على مقربة من جسد عار ليس إلا؟ عمل مهم يتوجب قراءته. • “آحاد أغسطس” للروائي الفرنسي بارتيك موديانو، صادرة عن دار الساقي بترجمة لصالح الأشمر: رواية مسلية، رغم إصرار موديانو على ذكر كل أسماء المقاهي والأزقة والشوارع والحانات والفنادق، وإفراطه في وصف تفاصيل معمارية للأحياء المختلفة، نحن هنا أمام حكاية غامضة أخرى، يفترض أن تكون بوليسية إلى حد ما رغم الغموض الشديد الذي يلف أحداث الرواية، ما بين خمسة شخوص رئيسيين، وعقد باهظ الثمن يتحكم في مصائر الجميع من خلال أطماع الجميع في حيازته، البطلة تختفي رفقة العقد والبطل الذي يروي الحكاية يحاول وضع تصورات لمصيرها، ومنافسه في حب البطلة يبدو على دراية بأمور لم تكشفها الرواية بوضوح، للترك القارئ أمام نهاية مفتوحة تتسع لكل الاحتمالات. كان شهر يناير ثريًا بالقراءات المهمة والممتعة، أتمنى أن أحظى بذات النصيب من الحظ والتوفيق في شهر فبراير الذي أستهله بقراءة رواية العابرة للأستاذ إبراهيم عبد المجيد، وفي النهاية، كما هي العادة، أوصيكم ألا تتوقفوا عن القراءة، زيدوا من حصصها، ففي كل كتاب حياة بأكملها تنتظر عبور ساكنيها، واظبوا على القراءة، فما أضيق الحياة من دون البراح الذي تمنحه لنا الكلمات! ولكم في القراءة حياة يا أولي الأحلام

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10

المصدر الأصلي على ووردبريس