محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

قراءات ديسمبر 2019

81229055_2647231692032562_4847915653568397312_o تحذير: كتابة طويلة نسبيًا عن بعض الروايات للمهتمين بالقراءة فقط قراءات شهر ديسمبر 2019 القائمة الختامية لقراءات السنة بلغت 13 رواية عربية ومترجمة، مرة أخرى كان حظي جيدًا في اختيار العناوين، كما أن اختيارات قوائم البوكر والشيخ زايد كانت موفقة هذا العام، وإن كانت لي ملاحظات أختتم بها كلماتي هذه. مرة أخرى، استمتعتُ بالتجوال في الردهات السحرية لثلاثة عشر حياة متنوعة في تفاصيلها، ثرية في بنيانها، متباينة في جوانبها، عوالم حافلة بالدهشة والألم والعشق والوداع، ألخص انطباعاتي عنها فيما يلي: • “مذكرات قاتل عاطفي” للكاتب التشيلي لويس سبولفيدا، صادرة عن دار الآداب بترجمة إسكندر حبش: ثاني تجربة مع سبولفيدا بعد العجوز الذي يقرأ الروايات الغرامية، رواية قصيرة تشعر أنها كتبت بعجالة إلى حد ما، قاتل محترف يؤدي عمله بإتقان وبرودة أعصاب ولكنه في ذات الوقت يشعر بغصّة إثر هجران عشيقته له، تتشابك الخيوط لتفضي إلى نهاية مفاجئة نوعًا ما، كنتُ أود الاطلاع على خلفية أكثر وضوحًا لهذه الشخصية الثرية، إلا أن سبولفيدا كان بخيلاً نوعًا ما، رواية جيدة في النهاية، أنصح بقراتها خصوصًا لصغر حجمها. • “وهذا أيضًا سوف يمضي” للكاتبة الإسبانية ميلينا بوسكيتش، صادرة عن دار مسكيلياني بترجمة نهى أبو عرقوب: عمل شديد العذوبة، آسر، امرأة تعيد اكتشاف علاقتها بأمها بعد وفاتها، وفي ذات الوقت تعيد تقييمها لحياة كاملة وزيجتين فاشلتين، الرواية عمل تشريحي لنفسية امرأة تفاجأ ببلوغها الأربعين، تقاوم ذلك بالبحث عن الحب ومحاولة الانخراط في الحياة، ذلك في ذروة افتقادها للأم التي لم تدرك الحيز الذي تشغله في وجدانها إلا بعد الرحيل، تخاطب البطلة أمها طيلة الرواية، تستحضرها وكأنها تلغي موتها بمخاطبتها، في مونولوج سردي بديع عن الخوف والتردد والشك والحب والرغبة في مواصلة الحياة، عمل أحببته للغاية، وأنصح به بشدة. • “الأمريكي الهادئ” للكاتب الإنجليزي جراهام جرين، صادرة ضمن ترجمات الكرمة بترجمة شوقي جلال ومحمود ماجد: مرة أخرى يتوجب عليّ الإشادة باختيارات الكرمة، ومترجمي أعمالها، عمل بديع، يكشف النقاب عن الكثير مما يخص الحرب في فيتنام، حكاية غنية بالتفاصيل، عن الوحدة والحب والأنانية، والوجه السيء للنوايا الطيبة، عن الحكمة ومحاولة الثبات على المبدأ في خضم حرب طاحنة، أسلوب مشوق وحبكة مثيرة، رغم صفحاتها التي تجاوز الثلاثمائة؛ تجذبك الرواية لمواصلة القراءة حتى تنتهي منها. عمل آخر متميز من ترجمات الكرمة. • “حمى الأحلام” للكاتبة الأرجنتينية سامنتا شوابيلن، صادرة عن دار الآداب بترجمة لشيخ المترجمين الراحل صالح علماني، وهي الرواية التي بلغت القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر: رواية باختصار مرعبة، غامضة، فيض من الهواجس يستحضر مخزون الخوف في صدر كل قارئ، الخوف من الفقد، من الضياع، من فقد مسافة الأمان بيننا وبين من نحب، امرأة تحتضر في المستشفى، فيما تسرد لشاب جمعتها بأمه علاقة غامضة، تفاصيل الخوف الذي عشش في حياتها، عن الجحيم الذي تحياه كلما طاردتها خاطرة عن احتمالية فقد ابنتها، فهل فقدتها بالفعل؟ هل انتقلت روحها إلى جسد آخر هو ذاته جسد محدثها؟ عمل مختلف، متفرد في أسلوبه. ترجمات دار الآداب بدورها تستحق الإشادة، والقارئ العربي فقد الكثير برحيل صالح علماني. • “حذاء لك” للكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا، صادرة عن دار الآداب بترجمة لمعن عاقل: رواية غريبة، فكرة أغرب، تناول مثير يكتنفه الغموض طوال الوقت، معمل لحفظ الذكريات، رجل غامض، وشابة يتم توظيفها في المعمل، فتكون شاهدة على ما يجري، حتى تتحول هي نفسها إلى مشروع عينة في نهاية الأحداث! رواية مترجمة أخرى مميزة من دار الآداب، والأدب الياباني بديع في العموم، مختلف ومترع بالخيال، الأفكار الأدبية لديهم شديدة الخصوبة، لا يكاد القارئ يعتقد أنهم بلغو ذروة الخيال ولامسوا شططه، حتى يكتشف أن لديهم المزيد، وكأنهم يسردون من معين خيال لا ينضب. عمل غريب ولافت ومميز. • “النوم في حقل الكرز” للروائي العراقي أزهر جرجيس، صادرة عن دار الرافدين، وقد وردت ضمن اختيارات جائزة البوكر في قائمتها الطويلة: أنا منحاز للعراق، مهموم بالوضع الإنساني ومتابع جيد جدًا للحركة الأدبية العراقية، وما أفرزته الأزمة العراقية طيلة العقدين الأخيرين فوق أوراق مبدعيها، نحن هنا أمام واحدة من هذه اللوحات الأدبية، القاسية، مرثية إنسانية لوطن، حكاية عن شاب عراقي يعود من منفاه الاختياري ليتسلم رفاة أبيه، الذي دفن حيًا في عهد صدام حسين، رحلة مليئة بالشجن، وأحداث لا تقل ألمًا عن سبب العودة، الألم اختص العراق بالنصيب الأكبر في السنوات الأخيرة، والحكاية مطرزة بالرحيل والوداع تلو الوداع. أحببت الرواية كثيرًا، وأراها جديرة بالظهور في قائمة البوكر لهذا العام. • “التانكي” للروائية العراقية الكبيرة عالية ممدوح، صادرة عن منشورات المتوسط، وهي بدورها في لائحة البوكر الطويلة لهذا العام: عبر بناء سردي بديع، وتكنيك فريد، يبحث الرواة المتعددون عن “عفاف”، فتاة (امرأة) عراقية ضل إليها الجميع السبل، واختفت من فوق الخرائط، لا أحد يعلم مصيرها، ولكنهم خلال مراسلاتهم الهادفة ضمنيًا إلى أداء واجب البحث عنها، نجد أننا نبحث عن عراقٍ عرفناه منذ عشرات السنين، عراق متوحد يقبل التنوع والتعدد (لاحظ أسماء الشخوص)، ذلك العراق -الذي عرف الحصار قبل حروب الخليج- قادر على صهر كل مكوناته في “مكعب” واحد يتسع للجميع، نقطة التقاء بين الوطن والمواطنين، تلتئم فيه الفُرقة التي بترت كل منهما عن الآخر. رواية صعبة، تستفز القارئ وتشركه في أحداثها. تستحق، وبكل جدارة، الظهور في قائمة البوكر. • “سلالم ترولار” للروائي الجزائري سمير قسيمي، صادرة عن منشورات المتوسط، وقد وردت الرواية أيضًا في القائمة الطويلة للبوكر هذا العام: عمل غرائبي، يصهر الفانتازيا والتاريخ، الواقع والمتخيل في معين سردي واحد، يستشرف قوادم الأخبار، ويتنبأ ربما بما بلغته الجزائر وقت كتابة هذه السطور، حكاية عن دائرة الفساد الحكومي، وآلية صنع الزعماء، والماكينة المتوحشة التي تقبع في أقبية القصور لصناعة الطغاة، وطن يصبح مواطنوه ذات يومٍ ليجدوا أن البيوت صارت بلا أبواب ولا نوافذ، وفضاء فاضح -كاشف- يلف الجميع، ثم حكومة فاسدة تجابه ذلك باستقدام نقيب البوابين، لتعيد تشكيله في صورة الزعيم البديل. رواية تنبؤية، تعيد تشكيل الواقع السياسي الجزائري في إطار ساخر يقطر مرارة وحسرة، وقوفًا على شفا القيامة الوشيكة. عمل سلس وبديع وموجع في تفاصيله، صادم في تداخل مصائر شخوصه، يستحق بلوغ منصات التكريم. • “سفر برلك” للروائي السعودي مقبول العلوي، صادرة عن دار الساقي، ومرشح ضمن روايات القائمة الطويلة للبوكر: تتبع الرواية مصير شاب عربي يتم أسره وبيعه عبدًا، ثم يحرره شيخ متنور قبل أن يتم خطفه مجددًا ونقله قسرًا إلى الشام خلال مرحلة تاريخية مهمة في الجزيرة العربية، تتزامن مع اشتعال الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، السرد هادئ والأحداث لا تبلغ ذروتها، ولكن اللغة محكمة مناسبة لعصور الرواية، عمل جيد في المجمل، يطرح حكاية بسيطة على قسوتها، وينقل القارئ إلى حقبه زمنية لم يتم تناولها باستفاضة من قبل، وفق ما قرأت. • “وحي” للروائي اليمني حبيب عبد الرب، صادرة عن دار الساقي، وهي أحد الروايات الفائزة بجائزة كتارا هذا العام: حبكة تشويقية، وأحداث متلاحقة، ولكننا أمام فيض من الأفكار التأملية عن مفهوم الإيمان، ودوافعه والعوامل المؤثرة عليه ما بين رسوخ واهتزاز، كاتب معروف يتلقى رسالة إلكترونية من قارئة/فتاة لا يعرفها، تستدرجه إلى محاورات تأملية وفلسفية مطولة، يقع الكاتب في هوى مراسلته، فيما هو عاشق لزوجته شهد، ولكن المغامرة تأخذه، وتحوله إلى شاب تتقاذفه العواطف، تدريجيًا نتعرف على التاريخ الشخصي للكاتب بكل منعطفاته، جموحه وأحلامه وتحولاته وسكناته، في ذات الوقت الذي يمر فيه أمام القارئ شريط تسجيلي عن اليمن، وكل ما مرت به في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى مشهد الحرب الدائرة. مع نهاية لطيفة مفاجئة أحببتها كثيرًا، عمل روائي متميز، يطرح أسئلة في شكل القنابل العنقودية، التي تستقر في عقل القارئ، فيتوالى دويها ويتصاعد عقب أيام من قراءة الرواية. • “خطأ غير مقصود” للروائي اللبناني رشيد الضعيف، صادرة عن دار الساقي، وقد ظهرت في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للآداب: روائي سبعيني، يبلغه نبأ الاشتباه في إصابته بسرطان البروستاتا، ويمنحه الطبيب شهرين قبل تأكيد الخبر، فيقرر خوض مغامرة ذكورية أخيرة يودع بها فحولته خلال الشهرين المتبقيين، ولكن عوضًا عن ذلك، يخوض في صفحات ماضيه، طفلًا وشابًا، ثم كهلاً يطارد عهود الشباب الزائلة، ربما أردتُ المزيد من الإيضاحات حول فترات حياتية لم يتطرق لها الكاتب، فالسرد يستفيض في مراحل الطفولة التي وضعت لبنة الشخصية، ثم يقفز إلى حياة السبعيني الباحث عن فضلات حياتية يودع بها رجولته، مع بضع شذرات من حياة الشاب الذي كانه. على ذلك فإن الرواية شيقة، وممتعة، وتستحق ربما قراءة ثانية. عمل آخر أنصح بقراءته. • “حي الدهشة” للروائية السورية مها حسن، صادرة عن دار سرد وممدوح عدوان، وهي ضمن الروايات المرشحة لجائزة الشيخ زايد للآداب هذا العام: تنقلك الرواية إلى حي الهلك في ضواحي حلب، وأنا هنا أعني نقلاً فعليًا كاملاً، كتابة تصويرية أحالتني إلى زمن متابعة المسلسلات السورية في طرابلس، كنتُ أعيش في الحارة مع الشخوص بكل تفاصيلهم، أشعر بما يؤرقهم وأعي التقلبات النفسية لكل منهم، ربما لم تتطرق الرواية إلى الحرب في سوريا إلا قرب النهايات، وعلى سبيل الذكر العابر، ولكنها رصدت حروبًا أخرى اعتملت في صدور أبطال الرواية، عبر حكايات تطوي في صفحاتها كل عناوين الروايات الأدبية التي عنونت بها الكاتبة الفصول والمقاطع، حياتنا إذن تتسع لكل تلك المآسي والعبرات، وفكرة الكاتبة في إدراج هذه العناوين، وبهذه الطريقة، جاءت لتثري النص بما تحمله من دلالات استباقية للأحداث، بطل الرواية من وجهة نظري هو حسين، الشاب المتدثر بعباءة راسكولنيكوف الهارب من صفحات ديستويفسكي، والحكاية في مجملها اجتماعية تناقش التناقض الاجتماعي وحكاية الغرام التي تعوقها هذه الضوابط، مرورًا باضطهاد المرأة وتقييد حريتها، دون حرق باقي التفاصيل، في النهاية؛ أحببت الرواية كثيرًا، وحزنت لانتهائها، وأراها صالحة إلى التحول إلى عمل درامي ناجح. • “باص أخضر يغادر حلب” للكاتب السوري جان دوست، الصادرة عن منشورات المتوسط: لا أعرف سببًا لعدم تواجد هذه الرواية في قوائم الجوائز، ربما آتي لذكر استنتاجاتي لاحقًا، ولكن كتابات جان دوست في العموم مرثيات حزينة للحال السوري العربي والكردي على حد سواء (رائعته كوباني على سبيل الذكر)، نحن أمام رواية بديعة، حكاية عن عجوز يستقل -قسرًا- حافلة تغادر حلب في إطار التهجير الإجباري لقاطنيها في أحد فصول الحرب، العجوز ينخرط في استدعاء أحبة فارقوه واستجلاب مشاهد تأبى الذاكرة إسقاطها، فتستقر المشاهد ويترسخ الشخوص في وجدان القارئ، العجوز الذي يلفظ أنفاسه في أول الصفحات، يورّثنا شخوصه ومشاهداته وآلامه، فتعيش فينا ولا ننساها عقب قراءة الرواية، ما بين امرأة عجوز تقضي نحبها أسفل حطام مستشفى، وطفلة تشطرها قذيفة، وشتات أحباب لا يلتم إلا كطيوف عابرة في حافلة تغادر -مُكرهة- حلب. عمل استثنائي ولغة شديدة الشعرية والعذوبة. شكرًا جان دوست. نهاية، أرى أن لجنة تحكيم البوكر هذا العام – وفق ما قرأته حتى الآن – تجنح أو تميل إلى السرد التاريخي والفانتازيا، وكأنها تتحاشى تسليط الضوء على الواقع العربي الأليم، ربما تكون رواية العراقي أزهر جرجيس استثناءً وإن كانت حبكتها بدورها تستدعي ميراث الماضي من حروب تدمير العراق، ولكن أغلب الروايات تنبش في حكايات الماضي، مُحاوِلةً -أحيانًا- إحالة التشابه إلى مقارنات مع اللحظة الراهنة، قوائم الشيخ زايد لا أستطيع الحكم على توجهاتها حتى الآن، فهناك روايات لمحسن الرملي ونجوى بركات وممدوح عزام يتوجب عليّ قراءتها أولاً. قريبًا، ربما أكتب عن أفضل ما قرأت خلال عام 2019 أسوة بباقي الأصدقاء، ولكن الاختيار صعب، خصوصًا أن عدد قراءات هذا العام تجاوز الـ 130 كتابًا! نهاية، مرة أخرى وليست أخيرة، أعاود تلاوة الوصية ذاتها، لا تتوقفوا عن القراءة، زيدوا من حصصها، ففي كل كتاب حياة بأكملها تنتظر عبور ساكنيها، واظبوا على القراءة، فما أضيق الحياة من دون البراح الذي تمنحه لنا الكلمات! ولكم في القراءة حياة يا أولي الأحلام 🙂

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10

المصدر الأصلي على ووردبريس