قراءات شهر أكتوبر 2019
قراءات شهر أكتوبر ٢٠١٩
١١ رحلة جديدة، ١١ حياة بأدق تفاصيلها، ألوان مختلفة من الأدب، وإبداع متعدد الجنسيات!
١) لو كنت من الملمين بالأبحاث النقدية، لشرعت على الفور في إعداد دراسة بعنوان “إنعكاس المأساة العراقية على الأدب العراقي… أنعام كجه جي نموذجًا” روايتين بديعتين (أقرأ إحداهما للمرة الثانية)، عوالم مفعمة بالأسى لا تخلو من خفة ظل مغمسة بمرارة الفقد، ورواة بحّت الغربة نبرات صوتهم فجاءت كلماتهم محفورة على الورق، المبدعة العراقية الكبيرة، التي ربما استحقت بوكر العام الماضي من وجهة نظري عن روايتها النبيذة، لها في قلبي مكانه خاصة، ولطالما تذكرت كوني من مواليد بغداد كلما أبحرت بين أوراقها ❤
٢) محسن الرملي بدوره أبدع في “الفتيت المبعثر”، النوفيلا التي لن تتوقف قبل الانتهاء من مروياتها دفعة واحدة، لغة ثرية تحسبها قصيدة نثرية تحولت مع آخر حروفها إلى نص روائي، جرعة كبيرة من الشجن، فيض من الذكرى، والظلم الفاحش حين تجسد جوالاً بين البيوت ليجتث الأرواح والأحلام على حد سواء، الرملي يستحق كذلك دراسات عن مجمل أعماله الروائية، مبدع عراقي آخر في طابور لا آخر له من مبدعي بلاد الرافدين في السنوات العشرين الأخيرة 🌹
٣) بيت القبطية، الرواية الأحدث للأديب والقاضي المصري أشرف العشماوي، يخطئ من يظن أنه أمام رواية بوليسية، ارتكازًا على التصدير المطبوع على الغلاف الخلفي، والدعاية التي صاحبت إصدار الرواية، عمل هام جدًا يتطرق إلى أجواء الفتنة الطائفية والنسيج المجتمعي الذي بات يفرزها بصورة تلقائية، والفساد الحكومي فيما قبل ٢٠١١، وربما الفساد القضائي، شخصيات مغزولة بعناية فائقة، وحكايات إنسانية في غاية الصدق والعذوبة، من أجمل ما قرأت للعشماوي، شابوه 👍
٤) ترجمات الكرمة:
طالما كررت أن دار الكرمة هي دار صاحبة مشروع ثقافي حقيقي، يتجلى ذلك في سلسلة مختارات الكرمة، المعنية بإعادة نشر أعمال مبدعين مصريين راحلين، وسلسلة التراجم، التي تعنى بنشر ترجمات لروائع الأدب العالمي، كان حظي من هذه السلسة هذا الشهر هو خمس روايات، أو خمس روائع لأكون منصفًا، النورس (ريتشارد باخ) بترجمة رائعة لمحمد عبد النبي، الوعد (فريدريش دورنمات) بترجمة المبدع سمير جريس، قلب الظلمات لجوزيف كونراد، صباح ومساء ليون فوسه، واعتراف منتصف الليل لجورج دوهاميل. الحقيقة أننا أمام خمس لوحات فنية في إطار أدبي، ربما كان أقربهم إلى ذائقتي هو رواية الوعد، ثم اعتراف منتصف الليل، فالنورس.
شكرًا لدار الكرمة على إثراء الحركة الأدبية بمثل هذه السلاسل الأدبية المتميزة 👏🏻
٥) أحببت كثيرًا رواية سبولفيدا، العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية، ووجدت بين طياتها ما هو أبعد من مشهد الصياد العجوز الذي يطارد لبؤة تنشد الثأر في غابات أمازونيا، هي رواية عن الحياة في مجملها، عن التجربة، عن الموت والحياة والضياع ومفهوم الخلاص، ترجمة عفيف دمشقية حافظت على روح النص، ونقلته بأمانة فائقة، عمل يثير الكثير من التفكر بعد انتهاء صفحاته.
٦) الرواية المفاجأة، أنا أروى يا مريم للكاتبة المصرية أريج جمال، وأنا هنا لا أعني تحقق عنصر المفاجأة بثبوت جودة النص، فالكاتبة لها أعمال حظت بالإشادة من قبل، لذا فإنني هنا أتحدث عن فجائية العرض لموضوع شائك، شديد الخصوصية، فُطر القارئ العربي على اعتباره من المحرمات، هي كتابة بديعة، رائقة، تغرد خارج صناديق المألوف، وتمزق أُطر الممنوع، هذا من حيث الموضوع، أما من حيث التناول السردي، فأعتقد أننا أمام رواية ستصل دون شك إلى منصات التكريم، ذلك مشروط بحيادية لجان تحكيم الجوائز، وتجردهم من الانطباعات الشخصية عن أمور بعينها، ومدى مرونتهم من حيث قبول الآخر. رواية تستحق أن تفرد لها مساحات نقدية أوسع كثيرًا من هذه الأسطر، تكنيك بديع، وتنوع سردي فيما بين قسمي الرواية التي يتناوب على سردها صوتين لفتاتين جمعهما الحب، أروى ومريم، وخلف عناقهما تضطرم أحداث ثورة يناير وتوابعها، رواية آسرة، كسرت لديّ بعض قيود القراءة، خصوصًا درجة تقبلي لخلط العامية بالفصحى، وهو الأمر الذي أسهبت فيه الكاتبة بصوت أروى، بعدما جاء صوت مريم فصيحًا مطرزًا بلغة شعرية حالمة، وكلمات تقطر حزنًا، وعبارات تبحر في محيطات لا تعرف شطآنها غير الضياع مرسى.
Arige Gammal
تحية كبيرة لقلم واعد لا اشك أن مستقبلاً كبيرًا في انتظاره.
وفي الختام، أعاود تلاوة الوصية ذاتها، لا تتوقفوا عن القراءة، فبين دفتي كل كتاب، ثمة حياة بأكملها تنتظر رواد صفحاتها.
ولكم في القراءة حياة يا أولي الأحلام 🙂تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10