لم يصل عليهم أحد، ما بين إرث التعايش، وورطة الحياة، وثنائية العشق والموت...
استمتعت مؤخرًا بالعيش بين دفتي ملحمة روائية فريدة، متقنة، طيلة أسبوعين كاملين، استغرقتني الأحداث الكثيفة، المتشابكة، وكثرة الشخوص، استحوذت عليّ الحكايات التي راحت تتناسل الواحدة تلو الأخرى، كل مروية حبلى بأخبار وقصص أخرى، ووثبات الحكي تقذف القارئ بين أزمنة متباينة، ومشاهد مختلفة لأبطال الملحمة في عيون مختلفة، عبر زمن سردي يتجاوز السبعة عقود، عبرتها لاهثًا رغم ضخامة الحكاية، ووفرة تفاصيلها، وفيض أحداثها، حتى وقفتُ على آخر عتباتها، مأخوذًا، لاهثًا، وشرود يدهمني حال استعادتي للبدايات، محاولا وصل أول الخيوط بآخرها...
هي قطع من البازل، حكايات صغيرة تتجمع وتلتم حتى يكتمل المشهد، لوحة ممزقة يعكف القارئ على تجميعها، حكاية من زمان قديم، عرف فيه الإنسان فضيلة التعايش والقبول بالآخر، وبدأت فيه ممارسات الاضطهاد العرقي والديني، وما بين الطوفان في بداية القرن الماضي، والمذابح التركية ضد الأرمن، واضطهاد العثمانيين للمسيحيين واليهود، وانتهاءً ببداية تكون دولة إسرائيل، نعيش مع حنا وزكريا قصتهما، وقصة عائلتيهما وحكايات أصدقائهما، ندفن جثث الغرقى، ونصلي صلاة خاصة على أولئك الذين لم يصل عليهم أحد وقد صعب التعرف على دينهم بعدما استحالوا جثثًا منتفخة يقذفها النهر، نهرب مع ميشيل عيسى وعائشة المفتي عبر دروب تسيجها قصة حب مستحيل، وندفنهما دون أن يصلي عليهما أحدًا، نبكي كل قصص الغرام غير المباح، ونتحسس وتر العشق المقطوع بين حنا وسعاد، ووليم وعائشة، وزكريا وشاها، وحنا وجوزفين، وشمس الصباح، ووليم البيازيدي ومريم، وعائشة البيازيدي ويوسف، كل الغرام تقاطعه الأعراف وتحرمه، أو يبتر جسوره موت مباغت.
نتابع مصير جموح زكريا، الذي اكتسب سجية الجياد التي يربيها، فحاول الانطلاق خلف أحلامه، بيد أن صداقته بحنا تلجمه، وتضعفه، ونراقب عبثية حنا الشاب، ومحاولاته المستديمة للهروب من عشق حقيقي أوحد، ثم بحثه عن الله في المسافة بين قلعة الملذات ودير زهر الرمان، وما يسوقه من أسئلة وجودية تستقصي الهدف من الحياة برمتها، نراقب تحولاتهم في رحلات بحث مختلفة المقاصد، وكأن الحياة برمتها ورطة، فخ لا يقدر المرء على مراوغة شراكه، نشاركهما أسئلتهما، ما بين البحث عن الحرية، والبحث عن الله، عن الحب، وعن الموت، كل ذلك يدور، بينما الخلفية الهادئة ترصد تغيرات سوسيولوجية وأيدولوجية تغير من النسيج المجتمعي لمدينة حلب تدريجيًا، ما بين مد الليبرالية وعلو نبرة التعصب الديني، ما بين الاحتلال العثماني، فالفرنسي، ونهاية بالاستقلال.
مع آخر صفحات الرواية، طالعت الغلاف الخلفي مرة أخرى، طالما آمنت بأن العمل الإبداعي الصادق، يشغل عقل القارئ فيما يعقب كلمة "تمت"، لا فقط خلال القراءة، وهذا هو حالي مع هذه الملحمة الروائية، أسترجع تاريخ الشخوص، منذ مائة عام، وأتفكر، كان لدى أجدادنا قدرة سلسة على التعايش، مع كل الأطياف والديانات، كانت الحياة وكأنها بوتقة واحدة تنصهر فيها كل الأيدولوجيات والانتماءات الفكرية والعقائدية، كانت صداقة حنا وزكريا وسعاد ووليم وعارف وعازار، قادرة على الصمود أمام الطوفان، أمام المجاعة، أمام الحروب، وأمام الطاعون نفسه، تبدلت الأحوال وآلت الأمور من سيء لأسوء، وظلت أواصر الصداقة متينة كحبل سري يربط الشخوص في رحم واحد، لا ينقطع الحبل، ولا يلفظ الرحم أي منهم مهما ضاقت بهم شعاب الحياة وأضاعوا مسالكها.
ورغم مأساوية النهايات، وارتباط العشق بالموت في فصول الرواية، وركض قطار الزمن بسرعة لم يتحملها أغلب الشخوص، لتنفق الجياد ويلتحف المهزومون بالثرى، تظل الصداقة على حالها، نقطة مضيئة تستجلب الشجون، وتستحضر الكثير من التساؤلات؛ ما الذي جرى؟ أين نحن اليوم من هذا النموذج من التعايش والقبول بالآخر والتآخي؟ ألا تكفي هذه الحالة الإنسانية لدحر كل خلافات اليوم، ووأد الحرب وتمزيق طبولها؟
ضحايا العشق لا يصلي عليهم أحد، تمامًا كضحايا الطوفان والطاعون، والقوائم تتسع لتشمل كل ضحايا الغدر في حرب وقودها أرواح الأبرياء، الأطراف المتناحرة منشغلة بصلوات أخرى، تُذكر فيها حسابات الغنائم وتعداد القتلى وعدد الأمتار المكتسبة ما بين طرف وآخر، والمبالغ المحولة بين الحسابات البنكية لممولي الدمار، إلا أن خالد خليفة، يدعونا لتذكر أولئك المنسيين، الذين طمس زمان الفتنة تاريخهم أو كاد، يفتح لنا فرجة في جدار الزمن، لنطالع ما جرى، ونقارن الحواضر بالتاريخ المنسي، علنا نستخلص المصل من صحف الماضي، فنقضي على وباء الحرب، ونصلي صلاة الغائب على كل الضحايا، وكل الجثامين المغدورة، التي لم يصل عليها أحد...
شكرا خالد خليفة Khaled Khalifaتاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10