عزلة الحلزون لخليل صويلح... تاريخ وحواضر لا يجمعها غير التزييف
في روايته الأحدث، عزلة الحلزون، يتجرأ الكاتب السوري خليل صويلح على أُطر الموروث والمنقول، فيقوّض بنيان الماضي، ليقدم لنا بطلاً يفتح بطن التاريخ، ليختلط الخاص، بالعام، وتتسع الدائرة باستحضار شخصيات تاريخية تجول رفقة البطل، المدقق اللغوي، بين أوراقه، وفي عالمه الخاص، شاكية متأذية من سوء الخواتيم، ملقية بالكثير من علامات الاستفهام، التي تظل محلقة فوق رؤوس القراء، عقب طي اواخر صفحات الرواية، مودية بهم إلى ظنون تتوالد حتى تقف بهم على أعتاب هدم عبارة "تاريخ"، بمعول الشك.
قرأت عدة مقالات وآراء "نقدية" بخصوص الرواية، منها ما جاء موضوعيًا، ومنها ما جاء قاسيًا، ولعل بعض الأصدقاء قد استوقفهم إدراج مقاطع سردية كاملة تتناول نهايات بعض الشخوص والأعلام وفقًا لما جاء بالتاريخ، واعتبروها كتابة موسوعية تضعف بناء الرواية وتحيد بالسرد عن مجراه، ولكن، لأن المتلقي مختلف، والذائقة مختلفة، فقد وجدتُ في هذه المقاطع تحديدًا، عنصرًا مثريًا للنص، ومحققًا لغايته الأولى.
والتاريخ الشائه، المزيف، يختلف تمامًا عن تنوع الرؤى حول أحداث تاريخية ثابتة، فقد يُكتب عن ثورة يناير في مصر باعتبارها ثورة استثنائية عظيمة، فيما يوثق آخرون لها باعتبارها انتفاضة شعبية استغلتها فئات وفصائل بعينها، في نفس الوقت الذي يُترخها البعض باعتبارها نكبة غير مسبوقة! وهذا تناول مختلف لحدث تاريخي ثابت، إذ كانت هناك ثورة في مصر في يناير ٢٠١١، وما يكتب هنا وهناك هو انطباعات سينسبها التاريخ لأصحابها.
أما ما يضعنا أمامه خليل صويلح، فهو خلخلة الثوابت، ولفت الانتباه إلى زيف التاريخ الذي نوليه من الاعتناء حد القداسة، ففي عزلة الحلزون كل شيء موصوم بالشك، التاريخ الشخصي للبطل، واسرته الهلالية، والوقائع التي يتم تحريرها في الموقع الذي يعمل به صباحًا، ويدققها هو، زائفة وربما مختلقة من الأساس، والأجساد التي تحج إلى مركز التجميل على مقربة من مكتبه، تخرج مزيفة بدورها، الروايات تصدر بأسماء زائفة، وكذا الكثير من كتب التراث، وصاحب دار النشر المهتمة بإعدة طبع المخطوطات التراثية، و التي يعمل بها البطل ليلاً، لا يمانع الاستيلاء على الكتب، ولا يتردد حيال تزييف المخطوطات تحت مسمى التنقيح والمراجعة، طالما أن الأمر يرضي الرقيب، ويحقق الهدف الربحي المرجو من نشر الكتاب!
يحاول البطل البحث عن هويته، عن تاريخه ونسبه الخاص، عن الحقائق المخبوءة في هوامش كتب التاريخ، يحاول أن يصنع تاريخه الخاص، حتى وان جاءت شجرة نسبه على الحائط المتاخم لفراش عشيقته، فحتى عشقه لها زائف رغم غزوات الغيرة لمخيلته حال غيابها، فقد كانت هناك عشيقة قبلها، والرواية تنتهي بوقع أقدام عشيقة جديدة، محتملة.
كل ذلك يدور ويجري، أمام خلفية صاخبة عن نتاج الحرب في سورية، وما أفرزته من تشوهات في النسيج المجتمعي، فهناك التماثيل الحجرية في حانة الأصدقاء، والعشاق والمشردون في سينما الاهرام، والروائي المختفي غاندي كاز، والفساد الهرمي الذي يدأب على انتزاع الحقوق لتشبيد الأبراج، وهناك رهام، ضحية أخرى تتقاطع سيرتها مع كل هذا، عبر وثبات بين تيارات فكرية وعقائدية متنافرة، تعبرها بحثًا عن تاريخها الشخصي الخاص (بدورها).
هكذا ندور مع المدقق اللغوي في دوامته الخاصة، داخل غسالة قديمة محشوة بثياب بلون الأمل المضاع، تركتها من خلفها عائلات هربت فوق أشلاء بعضها، قبل أن نترك بطل صويلح كما وجدناه، حلزون صامت، يأنس بعزلته، يراقب الكون عبر أقل مساحة رؤية ممكنة، من داخل صدفة لا تحميه من غبار الحرب، يقبض بجسده على قلب الطائر في صدره، هاربًا من ميراث قلوب الذئاب، الذي كتبه التاريخ بالدم، ولا يؤمن هو، أن أي من ذلك يشبهه!
الرواي هنا، أي البطل، وكأنه عدسة كاميرا سينمائية، تجول رفقة القارئ بين أطلال المدينة، بين آثار تركتها القذائف في الجدران، وفي القلوب، يسلط الضوء على الماضي المهدم، ويقترب حتى يلامس المسوخ والصروح المصطنعة، التي يُفترض بها أن تحل محل الماضي، لكي تطمس تاريخ الصارخين أسفل الأنقاض، في تشويه جديد، ليس هو الأخير، للتاريخ!
لم يطلعنا صويلح على الكثير مما بخص حواضر البطل، فبرغم السرد المفصل لتاريخ عائلته وأجداده وأعمامه، والدم الذي ما انفك ينز من كتب سير الأولين، ومع معرفتنا بطبيعة عمله، و(بعض) علاقاته النسائية، فنحن لا نعرف المزيد عن البطل، لا عمره ولا تاريخه الشخصي الخاص بالعشق والزواج والإنجاب، ولا علاقته بأسرته، ولا وضعه المالي الذي أودى به إلى العمل بوظيفتين، هكذا أراد خليل صويلح أن يقدم لنا -ربما- بطلاً منعزلاً داخل صدفته، صدفة ضيقة لا تتسع لأكثر من حلزون واحد، ولا مجال لأحد أن يلج إليها سواه...
وكم هم كُثُر من تشابهت حيواتهم في عزلتها مع حلزون خليل صويلح.
عمل بديع، استمتعت به كثيرًا
شكرًا أستاذ Khalil Sweilehتاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10