محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

سفر الشتات لمحمد موافي... عن غربة الجسد والروح

49465146_2021769907912080_2701974628972101632_n عبر تناول فريد لمفهوم الاغتراب، ما بين جسدي وروحي، ومن خلال مراقبة دقيقة لصعود وهبوط تيارات متضادة الفكر والرؤى، ورصد شغوف لذبول القلب قبل تداعي الجسد، وكشف فاضح لعورات أخلاقية متفشية، استمتعت بقراءة رواية "سفر الشتات" للأديب والإعلامي محمد موافي، الصادرة عن دار غراب في قرابة ٤٥٠ صفحة، تنضح كل منها بثراء لغوي لافت، ومثير الدهشة قبل الإعجاب. بدايتي مع أ. محمد موافي جاءت في روايته البديعة "حكاية فخراني" الصادرة عن دار الشروق، والتي لم أتمكن من استكمالها نظرًا للطباعة الاقتصادية المؤذية للعين التي صدرت بها، بيد أن القلم وصاحب القلم قد لفتا نظري، فرحت أفتش عن قديمه، حتى ينعم الله عليه وعلينا بجديدٍ مطبوع في صورة تلائم قدرات العين البشرية، وتتسق مع تفرد قلمه. مطبوعة "سفر الشتات" الصادرة عن دار غراب للنشر، جاءت واضحة مريحة للعين، الأمر الذي سهل مهمة قراءة النص، واختزل الزمن اللازم له إلى يومين فقط، وبرغم اعتقادي بأن غلاف طبعة الرواية الأولى، الصادرة عن دار صفصافة، كان أفضل من الغلاف القاتم الذي صدرت به طبعة دار غراب، إلا أن طبعة دار غراب كانت الأفضل من حيث مساحة الورق، والمسافات بين الأسطر وحجم الفونط، وهو الأمر الذي يحيلني مرة أخرى لتقديم استجواب جديد إلى دار الشروق، استفسر فيه عن دواعي الاقتصاد في أعمال متميزة تستحق طباعة أفضل، واهمال حقوق قارئ يستحق المزيد من الرعاية البصرية! نعود للرواية؛ عبر شخوص محدودة يتناوب عليها الراوي العليم سردًا وإيضاحًا، وتتبادل مواقعها مع الرواي ذاته في عدة مواضع، يُعري موافي الكافة، ويفند الإجرام المتبادل بين الأطراف المتصارعة على جسد وطن منهك، فما بين مجازر الجماعات الإسلامية، وسلخانة أمن الدولة، تتشابه الأفعال وتكاد المبررات أن تتماس في تطرفها، بين فصيل احتكر الله فانطلق يدافع عنه ويقاتل من يظن به معاداته، وفصيل آخر احتكر الوطن، فأباح لنفسه الدفاع عنه ضد أي شيء أو شخص أو كيان، دون رحمة، وفصيل آخر يكتفي بالهتاف الصامت، فيما يرقد ضميره في سبات عظيم، الرواية تستجوب الإنسانية بين سطورها، وقصة الحب الناعمة خلف الأسطر، القوية في حضورها، ربما جاءت كبوق تنبيه بأن الحب كفيل باستعادة انسانيتنا المفقودة بين أسفار الشتات... يستدعي الكاتب ببراعة، وبلغة صوفية شديدة العذوبة، طرفي النزاع الراسخ تاريخيًا، ويجلسهما على كرسي طبيب نفسي يفتقد للأمانة، فيبوح للقارئ بأسرارهما كلها، وما بين أول الأسفار، ومزمار الشتات الأخير، نتنقل رفقة الكاتب ومريضه المأزوم، جغرافيًا بين القاهرة والكويت والسودان وغيرهم، وزمنيًا عبر ركام الذكريات المنثور بين متاع الأسفار، نرتحل داخل عقول الشخوص، في مقاطع سردية قصيرة، محكمة الرباط، رشيقة ان جاز التعبير، نتنقل بينها دون أن ينفرنا صوت عال هنا، أو هتاف مصطنع هناك، الأحداث تنساب بنعومة، وتسطع كدفقات من ضوء ينير ولا يزعج، واللغة بطل النص الحقيقي، وفارس الحدث، تقف شاهدة على ذلك كله، تنسج لوحة الحكاية بريشة خيال القارئ، دون ألوان زاعقة، أو تداخلات غرائبية تقلل من جماليتها. أخيرًا لا يفوتني الإشارة إلى أن الأبيات الشعرية في مقدمات الأسفار جاءت مثالية ومعبرة عن عبرات الأسفار وفحواها. مع كامل الحرص على عدم سرد تفاصيل الحكاية، أو "حرق" أحداثها، أكتفي بالقول بأنني قد انتهيت للتو من قراءة رواية بديعة، لا أعرف لأي سبب غابت عن منصات التكريم وحرمت ما تستحقه من منقاشات وسجالات نقدية، إلا أنني في النهاية، أرشح هذه الرواية بشدة لكل محبي القراءة الجادة، ومتذوقي اللغة، وللمهتمين باستقصاء الحقائق المخبأة في طيات عقول منغلقة، أو تلك المتوارية وراء جدران مباني لاظوغلي. لكل من يتردد في استجواب ذاته، لمن يتعجل إصدار الأحكام على الآخر، لمن فارق حبيبًا، لمن ارتبط بأغنيات محمد منير، لمن يهمل التاريخ، لمن هاجر أو هُجر قسرًا، ولمن يدعي يقظة الضمير؛ لملموا أسفار شتاتكم وابحثوا عن خبيئتكم الخاصة بين أوراق محمد موافي. تحية للأديب القدير محمد موافي، ولدار غراب 👏🏻 وجبة أدبية ممتعة

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10

المصدر الأصلي على ووردبريس