أرض المؤامرات السعيدة لوجدي الأهدل... ما بين اغتصاب القُصر... واغتصاب الأوطان، والتآمر على الذات!
هي هواية أثيرة لي، أن أقرأ، أو أن أعيد قراءة الأعمال المرشحة للجوائز الأدبية، خصوصًا الجوائز الثلاث الكبرى، وأعني هنا الروايات المرشحة للبوكر، ولجائزة الشيخ زايد، والفائزة بجائزة كتارا.
ذلك -بطبيعة الحال- مشروط بتوفر هذه الأعمال في مكتبات مصر، وطباعتها بحروف مريحة للقراءة. وفور الإعلان عن القائمة الطويلة لفرع الآداب في جائزة الشيخ زايد، تفحصت مكتبتي فوجدت أن لدي منها 4 روايات بالفعل، وبدون الكثير من التفكير، قررت البدء بروايات هاشيت أنطوان، لما يميز مطبوعاتها من جودة وثراء الطباعة، وتميز المحتوى في غالبية الأوقات.
لم أتشرف بمعرفة الروائي اليمني وجدي الأهدل من قبل، إنسانيًا -وإن جمعتنا صداقة افتراضية عبر النوافذ الزرقاء- أو حتى من خلال كتاباته السابقة، ولعل في ذلك تقصير عظيم مني، بصفتي من المنتمين إلى قطاع الثقافة المصري، المنغلق على ذاته، الغارق في مصريته، المتصومع في محفوظيته. ومع الإقرار بكون محفوظ هرمًا رابعًا، إلا أن عظمة أدب محفوظ، لا تبرر حالة الزهد في متابعة الحراك الأدبي العربي في الأوساط الثقافية المصرية في العموم، ولعل أغلب القراء المصريين اليوم، وقطاع من المثقفين، لا يعرفون عن اليمن سوى حرب ١٩٤٨، وخرافة الأسلحة الفاسدة، والحرب الدائرة منذ سنوات وحتى وقت كتابة هذه السطور، وعلي عبد الله صالح، والمثقفين منهم يضيفون إلى ذلك معرفتهم بالقات! ولا أستثني نفسي من التقصير في الإطلاع على الثقافة اليمنية، فبذكر الأدب اليمني، لم أتذكر سوى ديوان شعر في مكتبة أبي لشاعر يمني كبير هو عبد العزيز المقالح، ورواية ابنة سوسلوف الرائعة، للكاتب الكبير حبيب عبد الرب.
يوم اشتريت هذه الرواية، كنت مدفوعًا بسابق ملاحظتي لازدهار الأدب العراقي والأدب السوري في الأعوام الأخيرة، فما تمخضت عنه معاناة الحروب، أفرز عشرات المعزوفات الأدبية الحاضرة عن جدارة فوق كل منصات التكريم والإشادة، ومن هذا المنطلق، وبعد بحث سريع عن الكاتب بمعاونة الصديق المخلص جوجل، توقعت أن تفرز لنا مأساة اليمن الشقيق، إبداعًا أدبيًا جديدًا يفتح لي آفاق قراءة جديدة، عن بلد عربي أتعاطف معه، ولا أعرف عنه الكثير.
بداية لابد أن أتوقف عند الغلاف، والعنوان، يُسمِّي ذلك أساتذة النقد بأول عتبات النص، ومفتتح تبشيراته، وقد تذكرت في البداية أن الغلاف كان أول ما لفت نظري لهذه الرواية، بعد ذلك جاء التضاد في معاني العنوان، في المزج بين التآمر والسعادة، وما يشي به من إسقاطات تتسع قاعدتها بدمجها بالظرف الزمني الراهن.
وهكذا، تكالبت عليّ عناصر الجذب، كلها!
امرأة ساهمة في أفق بعيد، لا نهائي، تقتعد هيكلاً حديديًا يستعمره الصدأ، ويراوده التداعي، على حافة المحيط مستقرها ومقامها، تغطي وجهها ونحرها بوشاح طويل، فيما تنضح معالم يدها بالتعب، وتقدم العمر.
هكذا يتعرف القارئ على مدخل الرواية، ويعبر بوابتها الأولى، وقد ساورته مشاعر بالتعاطف مع امرأة لا يعرف ملامحها، ومهد له المحيط الملتحم بالسماء الأجواء لاستعادة أصوات السواحل من وشيش الموج، وهديره، ووقع المطر وهزيمه، وأصوات الباعة الجائلين...
توقعت رواية عن الحرب، ومعاناتها، وضحاياها الذين يصعب حصرهم، عن الجوع والمرض، وتأهبت لانقباضة الألم التي اعتدت اجتياحها لي كلما مررت بين أوراق حكاية حرب، حتى لو كانت حربًا مرت عليها قرون، لم أقرأ المكتوب على الغلاف الخلفي كعادتي في أغلب الأحايين، حرصًا على بلوغ ذروة المفاجأة، وبتصفح الأوراق الأولى لوجدي الأهدل، وجدت حكاية منافية لحدسي، فلا حرب تدور بين طائرات ومنصات صواريخ، ولا اشتباكات بين جنود عرب، وجنود عرب ومرتزقة آخرين، إنما وجدت حربًا تدور رحاها داخل الراوي، حرب أشد ضراوة من كل حروب العتاد العسكري، وقاذفات التحالف.
لم أجد وطنًا يتصارع عليه المعتركون، ولا أعلام ترفع هنا ورايات تنكس هناك، بل وجدت جسد جليلة، الطفلة ذات الأعوام الثمانية، تتكالب عليه وتنهشه كل الجبهات، ومن لا ينبش أظافره في لحمها، يسوّق له ويتاجر به.
نقرأ في صفحات الرواية، وهي قرابة ٣٠٠ صفحة، عن الأربع وستون يومًا الأخيرة في حياة الراوي، حاولت الوصول إلى مدلول الرقم، ٦٤، فغصتُ في تاريخ اليمن، تخلصت من جهالتي، ونشطت ذاكرتي. لم أعثر على الدلالة، وإن فطنت لأن اليوم شديد الشبه بالبارحة، رغم تبدل الدور المصري من ناصري مُشعل للثورات، ومناصر ومحرض على حركات تحرر لا يمنحها لبني وطنه، إلى تابع يحمل غترة وعقال آل سعود، ولا يجرؤ على معارضتهم.
الصحفي مُطّهر فضل، يصحبنا معه في حرب ضروس تدور في أعماقه، تعصف به وتزلزله، وتمنح التاريخ توثيقًا لتحور المعارضة اليسارية، وفساد جيناتها، وصولاً إلى انبطاح رخيص في مخادع السلطة، وتنازل مجاني عن كل شعارات البطولة وأوهام المجد.
عبر عيني مُطّهر، الذي لا يتسق فعله مع اسمه، ولا يستحق حمل اسم أبيه المناضل، ومن خلال شلال سرد بارع يسحب القارئ من يده ويجوب به عبر طرقات المدن والقرى اليمنية، ليكشف له عورات الكافة، نناظر مأساة وطن منتهك، اختزلته حرفية الكاتب في مأساة اغتصاب الطفولة في اليمن السعيد، الذي لا يعرف من السعادة غير اسمها، الكل متآمر على الوطن، المتمثل في جليلة الصغيرة، التي فور أن تستغرق القارئ حكايتها، لا تلبث أن تتشظى لتفرز في حشايا الرواية قاصرات أخريات، خلقن ليعْبرن عبر ذات الفصول من الامتهان والانتهاك.
والراوي -أي مُطّهر- عربي أصيل، وفـيّ لتقاليد التبرير، ضليع في مهارات التلون كحرباء في صحاري العرب، يُصارع نفسه، يبحث عن استعادة مجد أبيه، دون أن يبذل أقل جهد حيال استرداده، أو الإتيان بمحاولة خجلة لمحاكاته، يغار من ماضيه ويشاطره العداء، ويكرهه في ذروة إعجابه به، وبكل عدو يظهر من البسالة ما يعجز هو عن إبدائه من وضعية الانبطاح!
فشل مُطّهر في كل شيء، وأتى بكل الموبقات التي تربى على معاداتها، فهو في قرارة نفسه يكره نذالة الشيخ بكري حسن، ولكنه لا يمانع أن يعاشر القاصرات بدوره، بل ولا يخجل من الاعتراف بتشوهات نفسية تدفعه للافتتان ببعضهن، هي حكاية عربي أضاع كل الفرص، وأفرط في الاستسلام لعجزه، حتى اعتادت فقرات ظهرة آلية الإنحناء. فشل مُطّهر كأب، وكصحفي نزيه، وكرجل في نهاية المطاف، رضخ لجشع زوجته حتى انهارت زيجته على رؤوس صغاره، فرط في محبوبته القاصر، ولم يبد ردة فعل تجاه انتزاع تاتيانا من حياته، استجاب لكل وساوس شياطين الإنس والجن، حتى أمسى قادرًا على خلق وساوسه الخاصة، ورضي بأن يكون طرفًا فاعلاً في كل المؤامرات، تحركه أصابع السلطة كما تحرك غيره في مختلف المعسكرات، مثل دمى الماريونيت، دون أن يعي أنه شريك أساسي في التآمر على حياته، وعلى وطنه، وعلى الكافة!
ولأنني عربي بدوري، بذلت خلال القرن الماضي كل ما يلزم للتخلص من جينات الفراعنة، فقد عجزت على مواراة تعاطفي مع مُطّهر في بعض المواضع من النص، خصوصًا في خواتيم الحكاية، رغم كل ما سبق!
لم أبكِ بين صفحات الرواية، حتى حين ودعت جليلة صفحاتها كزهرة ذابلة تدعسها أقلام المهرولين بين خنادق الحروب، فيما الراوي يستشرف السنوات الثلاث التالية لرحيله في ذروة سكرات الغياب، لم أبكِ مصير الطبيبة الروسية تاتيانا، ولا اختفاء منى، ولا مصير سامي قاسم، ولا نهاية الشرفاء جميعًا، تابعت المأساة كما يليق بعربي يتابع -عبر نشرات الأخبار -تعداد ضحايا الحروب والتفجيرات ما بين اليمن وسوريا والعراق وليبيا، ولكن عينيّ اغرورقت بالدمع فيما أكتب هذه الكلمات الآن، وقد عجزت عن مقاومة أصوات أنين الضحايا المتواريات أسفل حروفها، وتحت وطأة صدقها، وتسرب إلى أذنيّ نحيب وطن ممزق الأوصال، إذ يصرخ كجسد فقد سيطرته على أطرافه، فراح كل طرف يقتطع من لحمه شبرًا تلو الإخر!
أنهيت الرواية، فعدت لمطالعة المرأة على غلافها الأمامي، ورحت أتصور ما مرت به خلال عقود عمرها، فجفلت، وفزعت!
في النهاية، لا أعرف في أي جانب ستضع الحرب أوزارها، ولا أعلم ما ستفضي به كآخر قراراتها، ولكنني أعرف أن وطنًا بأكمله قد اغتصب مرارًا، وأن قاصرات يمنيات بعدهن يتسولن قانونًا يحفظ لهن سنوات طفولتهن بمنأى عن شهوات الجياع، وفتاوى المشايخ، ولكن:
في خمسينيات القرن الماضي، استطاعت قوة الإبداع أن تفرض تغييرات على القانون المصري عبر فيلم جعلوني مجرمًا، وفي السبعينيات، تكرر الأمر مع فيلم كلمة شرف، حتى جاء فيلم أريد حلاً، ليضع اللبنة الأولى في قوانين سوف تمنح المرأة حريتها تباعًا، لذلك، فإنني أرى في رواية أرض المؤامرات السعيدة، قوة إبداعية تشكل ذريعة حقيقية يمكن الارتكاز عليها لفرض سن القانون المنشود في اليمن الشقيق، فور استقرار أوضاعه، لعله يعود سعيدًا كما أسماه الأسلاف.
الواقع أن Wajdi Al-ahdal سارد مكين، وطني حقيقي، مبدع، سعدت بالتعرف عليه عبر قراءة أولى لإبداعه، وهي القراءة التي -بكل تأكيد- لن تكون الأخيرة، ربما فقط افتقدت مزيدًا من الإيضاح حول طفولة مُطّهر، عن أمه وعائلته، عن أبعاد حياته بعيدًا عن ظل أبيه، ولكن، لا تنتقص تلك الملاحظة من قيمة العمل، وجودته.
شكرًا وجدي على القراءة الممتعة لعملك المتميز، والشكر يتسع ليشمل دار هاشيت أنطوان، ولجنة تحكيم جائزة الشيخ زايد، لحسن اختيارهما لهذا العمل المتميز.تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10