محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

نداء أخير للركاب... دعوة أخيرة لإعادة استكشاف الوطن، واستعادة الهوية...

46453227_1953832314705840_3028399109905055744_n   في روايته الرابعة، والأولى عقب فوزه بجائزة الشيخ زايد لفرع المؤلف الشاب، تأتي رواية الكاتب المصري أحمد القرملاوي الجديدة، نداء أخير للركاب، وسط الكثير من الترقب، والعديد من علامات الاستفهام الدائرة في فلك السؤال الحتمي، والمتوقع: ما الذي سيقدمه الكاتب، أي كاتب، بعد فوزه بجائزة كبرى؟! كنت قد قطعت شوطًا لا بأس به في رواية أمطار صيفية، الفائزة بجائزة الشيخ زايد، ولكن وعكة صحية استوقفتني، ثم توالت الأغلفة والحكايات فعجزت عن الاستكمال دون معاودة القراءة من البداية، الأمر الذي لم يتم حتى اليوم، لذلك، فقد قررت البدء في قراءة "نداء أخير للركاب" فور صدورها هذه المرة، خشية تراكم العناوين، وازدحام الأرفف بمتنوع المغريات. في الصفحات الأولى، انتابتني حالة من التوتر، فالأسطر الأولى من الحكاية توحي بتشابه المسارات مع عمل روائي انتهيت بالكاد من كتابته ولم ينشر بعد، كدت أسقط في دوامة إحباط في أولى الصفحات، ولكن الأحداث المتسارعة، المشوقة، سرعان من انتحت بعيدًا عن مسار روايتي المنشورة في درج المكتب، فاتسعت ابتسامتي، وازدادت حماستي للقراءة، وإن تيقنت أن ثمة طفولة متشابهة الأحداث، وخطوط سير فوق خرائط ديار العرب، تجمعني بالقرملاوي، أدركت أننا متشابهين في قسم غير يسير من نشأتنا، ربما عبرنا ذات يوم عبر ذات المطارات، أو تشابكت مسارات طائرتينا ذات ارتحال تربعنا فيه داخل حقائب سفر والدينا، لذلك، ربما نحمل همومًا متشابهة، وهواجسًا شديدة التماس بحكايات الغربة. نحن أمام رواية مات بطلها قبل أن تبدأ، دون أن يفقد دور البطولة طيلة الوقت، رأفت عبد الصمد، الوطن الذي تسرب من عقل الراوي، فاستدعاه من قبره ليعيد سرد الحكاية، رأفت عبد الصمد هو عتبة السرد التي تتناوب عليها ألسنة الشخوص، هو من يستدعي إنسانية الراوي، والقارئ، ويزيح عن عينيهما غشاوة التاريخ مهترئ الصفحات، ويرد لهما وطنًا هجر كل منهما الآخر. وصية مشروطة، هكذا تبدو الحكاية مكررة في بداياتها، ولكن القرملاوي لا يترك لك فرصة للبحث في ذاكرتك عن أوجه تشابه مع أي عمل آخر، لا يمنحك الوقت، ويهرع لتنفيذ وصية بطل حكايته، وكأنه سعيد بنبش ماضيه الخاص، فلا يبخل بالتفاصيل، ولا يهمل أدق معالم جغرافية الأماكن، يسحب الأوراق من أسفل قدميك، فتترنح معه في ارتحاله بين أمكنة تستعيد بحضوره أزمنة ولت، وتنضح بحكايات تتجسد من خلالها أوضح صورة لأبيه، للوطن الذي أذاب ملامحه الاغتراب، كل ذلك في فضاء روائي يبدو هادئًا، فيما هو بركان خامد، يتأهب لانفجار لا يتم. هكذا يدور بنا الراوي عبر أربعة قارات، منفذًا لوصية لا هدف منها سوى استبيان الحقائق، جاءت الرواية مرتكزة على راوٍ أوحد، في زمن لا يتجاوز خمس عشر يومًا، وربما كنت ميالاً في بعض الآونة لتبادل نواصي الحكايات بين ألسنة الرواة، بما يرسم صورًا متنوعة في زوايا التقاطها لذات الشخص، ولكن القرملاوي أراد لحكايته أن تظل حبكتها مروية بلسان واحد، ربما رغبة في أن ينفذ الراوي الوصية، فيتحمل وحده كامل المسئولية. من أمريكا، إلى القاهرة، فالكويت، فالنمسا، ثم القاهرة، ونهاية بواحات سيوة، وعبر لغة سلسة، بسيطة على عذوبتها، شعرية في بعض المطارح، شجية حال استجواب الأزمنة، وعبر مونولوجات ذاتية تتفجر في سريرة الراوي، نعاين وطنًا اختزله القرملاوي في شبح بطله الغائب، نعيد كتابة التاريخ، ونكون ملامح البطل تدريجيًا، لنستكمل ما مزقته الأهواء، ونستوضح ما طمسته الانفعالات، دون أية دعوات لإدانة أية أطراف، هي دعوة سلمية لاستعادة الهوية، ووصية تتسع لتحمل فوق ظرفها عناوين ملايين المصريين، لتوجه لهم نداءً أخيرًا لاستعادة الحقيقة، ونبش قبور مسلمات الماضي، وهدم قلاع الموروث من التاريخ، والعودة للجذور، وريها، حتى يعلو الساق ويشتد، أسفل وهج الحقيقة. لا يعيب هذه الرواية من وجهة نظري، سوى قصرها! قارئ طماع مثلي يرى أنه من الظلم أن تُحكى هذه المروية في ٢٢١ صفحة! الحكاية تامة مكتملة، ولكنك تشعر -كقارئ- أنك كنت بحاجة للمزيد من الحكايات عن ذلك الوطن الرحال، الذي أسماه القرملاوي رأفت عبد الصمد. كانت لدي ذات الملحوظة عن الرواية المتميزة المختلفة؛ حدث في برلين، فهل يلتزم الكاتب بعدد معين من الكلمات أو الصفحات؟ هل يدور بذهنه حجم الرواية وسعر بيعها ومدى مناسبته للقراء؟ لا أعرف، ولكن؛ إن صح، فهو لا يجوز! نداء أخير للركاب، رواية الكاتب متعدد المواهب أحمد القرملاوي، الصادرة عن الدار العربية للكتاب في ٢٠١٨، مع حرصي البالغ على عدم "حرق الأحداث"، هي رواية آسرة مشوقة، متميزة في طرحها، حافلة بالترحال، ممهورة برسالة حقيقية دونها كاتبها بحبرٍ أراده سريًّا، والمخطئ فقط، أو قصير النظر، هو من يختزل الرحلة في تنوع أماكن الأحداث، ذلكم أن الرحلة الحقيقية تبتدئ بالأساس في عقل الراوي، وتنتهي داخل عقله، أمام صورة أبيه خلف مرآة منزله في "شالي"، وقد توحد بعقول القراء، وتشاطر وإياهم ذات الكشف العظيم. عبر غلاف فوتوغرافي مميز، معبر، وعنوان مثالي يكشف ما كتب بالحبر السري، تأتي الرواية -التي تضيف إلى رصيد كاتبها، وتمنح جائزته الأخيرة صك مصداقية جديد- كصرخة مدوية تشق سكونًا زائفًا وئدت فيه المدارك، وكنداء أخير للقراء؛ أن استبينوا ماضيكم، واستوثقوا من التاريخ المسكوب في مسامعكم، واستردوا هويتكم المنثورة على أعتاب المطارات، فمن لا يقف على حقيقة ماضيه، ويستمسك بهويته، لا حاضر لديه، ولا مستقبل يلوح في أفقه.

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10

المصدر الأصلي على ووردبريس