محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

العبودي وحراسة العشق الإلهي ما بين دراويش اللغة، ودراويش الصوفية، ودراويش إليف شافاق

35623602._UY463_SS463_
مقدمة شخصية
منذ بضعة أيام، هاتفت الأديب والناشر المصري أدهم العبودي، معاتبًا إياه بصفته كناشر، إثر عدم التمكن من العثور على روايتيّ، كتاب خيبة الأمل لمحمد جمال (ذلك الشاب الذي فاز بمسابقة أخبار الأدب دون أن يلتفت له أحد من كبار الناشرين، حتى التقطه العبودي من دوامات الإحباط واليأس)، وقيامة الظل لمصطفى منير (الشاب الموهوب الذي لم يعد يرد على المكالمات بعد زواجه)، وذلك يرجع لرغبتي الحقيقية في قراءة هذين العملين تحديدًا، كقارئ شره، وكمهتم بشأن الأدب المصري في العموم. خلال المكالمة، أبديت للعبودي إعجابي بروايته قبل الأخيرة، حارس العشق الإلهي، التي قرأتها العام الماضي واستحسنتها كثيرًا، وامتنّ الرجل لإطرائي على منتجه الإبداعي، كما دلني على أماكن تواجد الروايتين، وانتهت المكالمة كالعادة، بتبادل الوعود بلقاءات حتمية، لن تتم. عقب المكالمة راجعت ما أكتبه عادة عن الروايات التي تعجبني، فلم أجد ملفًا لرواية حارس العشق الإلهي على ، لفت الأمر نظري فقررت الكتابة عنها، ولكن توالي القراءات كان قد أزاح تفاصيل النص بعيدًا عن الذهن الحاضر، كانت شخصية شاهين الكفيف، هي أكثر ما استقر بذهني، وأكثر من لفت انتباهي، رغم أن الرواية تتحدث في مجملها عن جلال الدين الرومي، وشمس الدين التبريزي، وقد أضحيا، مجتمعين أو منفردين، بأجوائهما الصوفية المحلقة، قِبلة إلهام للعديد من الكتابات في السنوات الأخيرة، منذ تصدر رواية إليف شافاق - السابحة في عوالم جلال الدين الرومي بدورها حد الثمالة - لقوائم الكتب الأكثر مبيعًا في عدة دول. وعلى سبيل الإنصاف، قررت استدعاء أحداث الرواية، وتفاصيلها، من خلال الانطباعات المكتوبة على موقع جودريدز، رغم إقراري بأنها لا تمنح مصداقية حقيقة ولا تُصدر حكمًا نهائيًا على الروايات، ولكنني طالعت غالبيتها، كما استعنت كذلك بمقالات صحفية وآراء نقدية كتبت عن الرواية، التي أعتقد أنها أكثر روايات العبودي انتشارًا من حيث المبيعات، وعدد الطبعات. عقب المرور بكل تلك المتناقضات، قررت أنه من الظلم أن أكتب عن الرواية، ورأيت أن الإنصاف يُحتم عليّ -إن أردت الكتابة عنها- أن أعيد قراءتها، وهكذا، وبرغم انغماسي في قراءة متأنية لرواية كافكاوية لها أذرع ومخالب تغرسها في عقل قارئها فلا يسهل عليه الفكاك من تأثيرها، إلا أنني قررت التملص من سطورها بشكل مؤقت، رغم التشتت الذي يسببه لي ذلك، لأمنح رواية حارس العشق الإلهي، قراءة أخرى، قبل الكتابة عنها.
القراءة نحن أمام رواية صوفية، لذلك لم أتعجب من استخدام الكاتب للغة التصويرية، ونثر التعابير الصوفية في ثنايا النص، كما علّق البعض من القراء والنقاد. على العكس، بالنسبة لي، كدرويش لغة قديم، وجدت لغة شديدة العذوبة، ثرية في مفرداتها، غنية في تشبيهاتها، ممتعة بما قد يضلل القارئ في بعض المطارح، ويجبره على العودة للخلف، لاستبيان موقعه من الحدث، والتيقن من شخصية الراوي. ربما فقط وجدت أن الإفراط في الوصف الجغرافي للأماكن، وأماكن سريان الأنهر، والقرى الراسية بضفافها، كان يستلزم حضور خريطة أو عدة خرائط لأماكن الأحداث، الأمر الذي كان -ربما- ليمنح بعدًا تصويريًا، إضافيًا، للنص. يتناوب على زمام السرد أربعة رواة، جلال الدين الرومي، وشمس التبريزي، وكيرا، والدرويش الكفيف شاهين. منحت الرواية مساحات أكبر بطبيعة الحال للرومي والتبريزي، مع ظهور متكرر لكيرا، زوجة الرومي في مرحلة متأخرة من عمره، ودفقات من إضاءات مبهرة بطلها شاهين، البطل الموازي للأحداث، الذي منحتني فصول روايته الخاصة، المتعة الأكبر بين فصول الرواية، عبر تعابير وخطابات شديدة البلاغة، توصّف خيالات الكفيف، ومحاولات تمييزه للألوان، والأصوات، وتحسس الأجساد بعينين سكنهما الظلام منذ ولادته. كان شاهين - في القراءتين- هو الراوي المفضل لي، الأكثر صدقًا، وحيادية، ذلك دون انتقاص من البناء السردي الخاص بباقي الرواة. التوجهات النقدية، وتفنيدها عاب البعض على الكاتب، من وجهة نظرهم، الإسهاب في السرد، وكثرة التعابير التصويرية، والسرحان في معاجم اللغة، ومحاولة استنطاقها بما هو مكنون في أقدم صحفها المنسية، وفي ذلك أقول بأن الكتابة فرس بلا لجام، ينطلق، فلا يترك من خلفه مجالاً لإيقافه ما لم يصل إلى غايته. وعلى العكس مما قيل، كنت أريد استفاضة أكثر في بعض المواضع من النص، فالفاصل بين المحادثة الأولى التي جمعت جلال الدين الرومي بـ "جوهر خاتون" (زوجته الأولى)، وإنجابه منها لصبيين، كان فقط ثمانية أسطر! وهذا ضايقني، بذات القدر الذي انزعج قراء آخرون مما وصفوه بالإسهاب في الوصف والتصوير، ومن هنا تتبلور فكرة الذائقة الأدبية للقراء، وتباينها ما بين قارئ وآخر. كنت أطمع في تصوير أوضح لتكون مشاعر الرومي تجاه جوهر خاتون، وتطورها، ولحظات تلقفه، واستقباله لأول الصِبْية. كتب أستاذنا القدير عمار على حسن، كذلك، حول افتتان الكاتب باللغة حد انشغاله عن الحكاية، وتحدث البعض عن غياب الحكاية وتباطؤ الأحداث، ولكنني بدوري وجدت حكاية تتبعتها منذ الفصول الأولى، تتلهف للحظة يجتمع فيها التبريزي بالرومي، عبر ارتحال وتجوال يفض -على هوامش السفر- ستر عورات التاريخ، وفصوله الأكثر دموية، حتى تتحقق الرؤى الأولى، فيلتقي الرجلان، وهو ما تم في نهاية الرواية، وإن جاء في صورة بلاغية دمجت الرجلين في خطاب سردي واحد، واضح المقصد. لذلك فأنا كقارئ، كانت لدي قصة أتابعها، ولم أنعزل بعذوبة اللغة عن الحكاية، ولم أسرح في الهوامش والفضاءات بين السطور، رغم اعترافي أني اضطررت في بعض المواضع لأن أتوقف للتحقق من موضعي بين الفصول، ولاستيضاح بأي لسان يخاطبني الكاتب من بين رواته الأربعة. كذلك، أبدى البعض ملاحظات سلبية في محلها، كاستخدام تشبيهات ومفردات لا تناسب العصر الذي تدور فيه الأحداث، واختص بذلك وصف الرومي لسريان التيار الكهربائي في جسده، وهو أمر ربما فات على الكاتب والمراجع تصويبه، ولكنه خطأ هامشي لا يتوجب الوقوف عليه، لبناء انطباع كامل عن شرود الكاتب، ودروشته اللغوية التي ضببت مفرداتها بصيرته، وأثرت على قدرته في القبض على أطراف الحكاية. ولا يفوتني هنا أن أتوجه إلى الناقد، والصحفي، والقارئ على حد سواء، بعدم جواز قياس نص العبودي، بـ "مازورة" رواية إليف شافاق، وكأنها مرجع مقدس لا يستقيم الخروج عنه، فالخيال خيّال الحكي، والكتابة فعل خيال، لا يستوي أن تسيجه أية نصوص أخرى، وكل ما سيق عن شبهات بنزع القداسة عن شخوص رواية العبودي، أرى أنه يصب في مصلحة النص، إذ يمنح الشخوص المزيد من الصفات الإنسانية.
ما هي النقاط السلبية التي استوقفتني إذًا؟ - المشاهد الجنسية في العمل جاءت بصورة بورنوجرافية، شبيهة بأفلام البورنو، ربما كان مقصد الكاتب أن تجيء هذه المشاهد في صورة فجة، صادمة، لكونها تتضمن في المشهدين أفعال إرغام لغالبٍ على مغلوب، بيد أن بعض التفاصيل كانت جديرة بالتوقف أمامها، وقد سلبت من النص، الثري بمفرداته، بعض جماليته. - لم يعجبني إصدار الرواية بغلاف خلفي لا يتحدث عن الرواية، إنما يتحدث فقط عن الكاتب، إذ ترد فيه شهادات لقامات أدبية ونقدية حول الكاتب، وهي شهادات جاءت حول مجمل عمله الأدبي، وانطباعهم عنه، ولا تخص النص الواقع بين يدي القارئ، والأمر سيان على صفحة الرواية على موقع جودريز، وكأن المطبوعة قد انصرفت عن النص، لتمجد الكاتب، وتذكّر بجودة كتابته، وهذ الدور كان النص كفيل به، ولا يستوجب التذكير به بمثل هذه الكثافة، وكأن الكاتب هو من يضيف الألق للنص بحضوره، بينما ينتظر القارئ أن يضيف النص له، وللكاتب. وفي هذا الصدد أود أن أذكّر الكاتب، بأن التعابير النقدية، ومفردات الدارسين، لن تلج إلى عقل عموم القراء، فتحقق الرواج المرجوّ، فأنا أثق أنا أحدًا من القراء قادر على استيعاب أن العبودي يكتب الرواية "الكونية"! عن نفسي، وجدت أنه كان من اللائق، أن يحمل النصف العلوي من الغلاف الخلفي، اقتباسًا من الرواية، وما أكثر المقاطع الصالحة للاقتباس بين دفتيها، أو نُبذة عن المحتوى، على أن يخصص الجزء السفلي من الغلاف للتعريف بالكاتب وانتاجه الأدبي، وجوائزه.
الطباعة الرواية الصادرة في عان 2017، عن دار المصري للنشر والتنوزيع، جاءت في 364 صفحة، طباعتها جيدة جدًا، بالمقاس القياسي "المقدس" للناشر المصري، الذي هو ١٤×٢٠، الورق جيد، الأمر الإيجابي كان في التحرير، فسطور الرواية جاءت غير مضغوطة، وهوامشها كانت مريحة للعين، ما يعكس عدم رغبة الناشر في التوفير وتوسيع هامش الربح على حساب بصر القراء، بما ينتقص من حق المنشور. كانت هناك بعض الأخطاء في علامات التنصيص، والأقواس التي كانت تفتح بشكل ما، وتغلق بشكل مغاير، خلاف ذلك الأمر -الهامشي- جاءت الرواية جيدة جدا، من حيث الطباعة والغلاف والتنسيق والإخراج الفني.
مُولد الجودريدز تباين الآراء الذي تكتظ به صفحة الجودريدز، يوضح تنوع ذائقة المتلقي كما سبق وأشرت، وفي هذا يتوجب القول بأن الرواية ستحظى بقبول وإعجاب دراويش اللغة ومحبي التاريخ، مثلي، أما محبي الصوفية ودراويش الرومي، فسوف يستحسنون المروية، واللغة التي رويت بها الحكاية، أما دراويش إليف شافاق، فلن تعجبهم الرواية على الإطلاق، لأن خلاف الحدث والحديث يعد بالنسبة لهم بمثابة تجديف يجنح بالرواية بعيدًا عن كتاب شافاق المقدس، ويُحرف نصوصه! فإذا علمت عزيزي القارئ، أن بعض الآراء قد ذهبت إلى أن التبريزي بشحمه ولحمه ومقامه المبنيّ، محض شخصية خيالية اختلقها جلال الدلين الرومي، ففيم نعيب على الكاتب إذا أطلق خياله فيما هو غير مُتفق عليه من الأساس؟!
المبيعات فاقت مبيعات هذه الرواية كل روايات الكاتب على ما أعتقد، رغم تزويرها أكثر من مرة، منها ما زور بشكل فج، فحذف إسميّ الناشر والكاتب، ولفق أسماء أخرى إمعانًا في السرقة والتضليل، رغم ذلك، همس بعض الافتراضيون، بأن الأمر مرجعه ازدهار "موضة" الكتابة عن جلال الدين الرومي وانجذاب الناشئة له، وفي هذا ستحكم مبيعات رواية العبودي الأخيرة، التي لم أقرأها بعد، وان كنت استبشر بها خيرًا.
خلاصة القول وفقًا لاتفاق الكرم ومواثيق الثقة المتبادلة بين الكاتب والقارئ، حسب قول سارتر، أستطيع القول بأنني قرأت للمرة الثانية، رواية شديدة الثراء اللغوي، كاشفة لما طوته صحف التاريخ، سخية في مشاهدها التصويرية، قصّت عليّ حكايات الرومي والتبريزي، بتناوب جذاب، يسري بها بضفاف تاريخ المسكوت عنه، ويسحب عن هذا التاريخ ثوب المواراة، فيكشف عورات الإنسانية، في مواجهة أفكار العشق الإلهي الخصب. كان الكاتب كريمًا في منحي جرعة لغوية، صوفية، شعرية في بعض المواضع، وكنت كقارئ كريمًا بدوري، فلم أتوقف فوق عتبات تِصيُّد الهنّات، وتَرَصُّد الأخطاء.
مختصر الحديث حارس العشق الإلهي للكاتب المصري أدهم العبودي، رواية روحانية، مختلفة، عذبة اللغة ، تمنح لقارئها جرعة صفاء نفسي، ورغبة في نهل المزيد من كتب الصوفية، لذلك فهي رواية متميزة، جديرة بالقراءة، بشرط منحها حيادية تنأى بها عن سائر المقارنات مع باقي الكتابات التي تناولت ذات الشخوص.

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-10

المصدر الأصلي على ووردبريس