محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

حطب سراييفو لسعيد خطيبي ... نهران متوازيان من الهزائم ... مصبهما الألم.

حطب سراييفو في روايته الأحدث، الواردة في القائمة القصير للبوكر هذا العام، يقدم الروائي والإعلامي الجزائري سعيد خطيبي عملاً أدبيًا شديد التميز، نرتد فيه بصحبته إلى نهايات حقبة عشرية الدم في الجزائر، وما يوازيها من سنوات العنف في سراييفو، عبر بناء سردي بني على المزج المتناوب بين سيرتين مرويتين بضمير المتكلم، الأولى سيرة سليم، الشاب والصحفي الجزائري، والثانية سيرة إيفانا، الشابة البوسنية العاشقة للمسرح. البطلان يحملان على عاتقهما إرث ضخم ومضنٍ من الخسارات والهزائم، المتعاقبة والموروثة، ويتقاسمان سمات حياة عبقتها روائح الدم والبارود، وذاكرة تفيض يصور القتلى والأشلاء، علاوة على تاريخ ملغز، مأزوم، مليء بالتشوهات والزيف، يضع هويتهما على المحك، وقد راح كل منهما يستبين مع توالي الفصول، مأزقًا حقيقيًا يحيق بهويته، وأصله ونسبه ونسب عائلته، في إحالة صريحة إلى زيف الأصول التي تصورنا أنها قد أنبتتنا، وكذب التاريخ الذي شُيدت على متونه حواضرنا، وكيف لتلك الأمجاد الواهية التي غرست في وجداننا، أن تتهاوى بغتة كرميم متداعٍ من المكائد والوشايات والخيانات. المرويات تسري كنهرين متوازيين، عذبي اللغة، مطعمان بمفردات جزائرية وسلوفينية وبوسنية توطد مصداقية الحدث، يفيض النهرين بالحكايات، حتى يكادا أن يتلاقيا في مصادفات قدرية، إلا أنهما بالكاد يتماسا، دون امتزاج أو توحد حقيقي، الحياة والمسار الذي تفرضه لم تمنح الفرصة للبطلين لتطوير العلاقة الوليدة التي مست شغاف قلبيهما، والأحداث ستحمل لهما صدامات تشتت النوايا وتتيه الدروب، في منأى عن أية احتمالات منطقية في التلاقي لتلاوة عهود غرام مأمول. عبر الخوض في سرد تاريخ الشخوص، ودوافعهم للهرب من منجل الموت وظله المخيم على سماء مدينتيهم، يتلمس القارئ التشابه الذي يقارب حدود التطابق بين نتاج الحرب الأهلية بين الجزائر والبلقان، ويرتد القارئ ليطلع على تصدير الرواية في صفحاتها الأولى؛ "نحن إخوة في الألم، عدا ذلك، فإن كل شيء يفرقنا"، فحكايات الدم والدمار تتلاقى في صدور المهزومين، وتتشابه ألسنة النيران وقنان الدم إذا ما انعكست في أعين الضحايا، حتى وإن تباينت التفاصيل، تظل المحصلة طاردة لأحلام البطلين في غد آمن، لذلك تجمعهما مسالك الهرب، وآمال التحقق، في عوالم ما عادت تتسع لأحلام النازحين واللاجئين، ولا تعدل في توزيع أنصبة الحياة، وحتى تفريق إعانات المتبرعين واللجان الأممية على مستحقيها. وعلى إيقاع صوت العرافة العجوز في ليوبليانا، تتشكل قوادم المصائر في هيئة ضبابية، وتتحول المسارات حتى تنجلي النبوءات، إذ تتسارع الأحداث بوتيرة هيتشكوكية ذات طابع بوليسي في القسمين الثالث والرابع، دون أن يفقد الكاتب مقاليد السرد التي حكم بها روايته في القسمين الأول والثاني، ودون أن يحيد عن براعته وإجادته الأولى. نجح سعيد خطيبي في صهر عالمين يبدوان على درجة واضحة من الاختلاف والتباين، في نص روائي واحد، بصورة أذابت كل الفوارق بين العالمين، فتحسست الآلام، ووحّدت الأوجاع والهزائم والشكوك ومآزق الهوية في بوتقة واحدة يتجرع معصورها شخصين تفصل بينهما فوارق مذهبية وأيدولوجية وجغرافية وسياسية، ولا يجمعهما سوى الخوف والإحباط والألم! الحكاية تنتهي بشق كوة من الأمل في العالمين المتوازيين، تترك فرصة لمساحة اجتماع، وفرص التقاء. ستعود الساعة في حي الرمان للعمل، وسيستعيد سليم وإيفانا رغبتهما في مواصلة الترنح في عوالمهما الهشة، وطي صفحات الماضي الملبدة بالخسارات والصدمات، سيشرع كل منهما في استكمال أمل مؤجل، إلا أن ظلال نواطير الأرواح ستطل لتشوه مشهد الختام بحضور مقبض، يقوض الاحتمالات الضئيلة بنهاية مرضية لسليم، وحتى إيفانا. عن الحرب كحطب للخراب، ووقود للشتات، عن التاريخ – مرة أخرى- كمرتع للمزورين وخندق للمهزومين، عن أزمة الهوية، وميراث الهزيمة الموروث، الذي تصلب فوقه آمال أجيال متعاقبة في غد لا تحكم سماءه الانفجارات، وحياة تضمن أبسط ركائز العيش الآمن؛ قدم لنا الكاتب عملاً روائيًا مختلفًا في موضوعه، محكم البناء، بُذل فيه مجهودًا أتصوره عظيمًا، ليخرج لنا نصًا شديد التميز، يستحق الإشادة، وبكل تأكيد بلوغ قائمة البوكر القصيرة. شكرًا سعيد خطيبي #محمد_سمير_ندا #Samirreads للمزيد من القراءات السابقة https://mohamedsamirnada.wordpress.com/

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-11

المصدر الأصلي على ووردبريس