محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

النسوة اللاتي... مدينة وجدي الكومي التي أنهكها الجفاف!

النسوة اللاتي مرة أخرى نحن أمام نص روائي مختلف، متمرد ومغاير، ثائر، يرمي بوابل من الأسئلة المقرونة بصرخات العجز والقهر، عبر دستوبيا مستقبلية، تنطلق في مضامير من الخيال القاتم، مرتكزة على الماضي والراهن، دون أن تجنح إلى الشطط. تناول الناقد والصحفي القدير محمود عبد الشكور الرواية بالعرض والتحليل منذ أيام، ففند نقاط اختلاف واتساق مع رواية حارة الزعفراني للغيطاني، إلا أن فكرة العجز بمعناه الشمولي طالما اتسعت لتُنسج على مغزلها عشرات الحكايات المشيدة بمختلف طرائق التناول السردي، ولعل أقربها إلى ذهني في هذه اللحظة، بخلاف رواية الغيطاني، ثيمة فيلم النوم في العسل للمبدع وحيد حامد، وما طرحه من فكرة شيوع العجز وعدم القدرة على الفعل من خلال شيوع العجز الجنسي، وإحالة المتلقي إلى إسقاط العجز الجسدي على العجز في مجمله، وانعدام القدرة على الإنجاز. نعود إلى النسوة اللاتي لنسأل؛ هل تأثرت الرواية بأعمال أدبية وسينمائية أخرى تناولت أفكار تدور حول صلب الحكاية من قبل؟ هل استنسخ وجدي الكومي حكايته؟ هل اتبع أو استكمل خطًا أو بناءً سرديًا بدأه غيره؟ الإجابة: بكل تأكيد لم يفعل! شيّد الكاتب عالمه في منأى عن التناول السابق لفكرة العجز، وإسقاط العجز الجسدي على العجز التام وصولاً إلى إبلاغ الرسالة بين السطور. في النسوة اللاتي، تجاوز الكاتب فكرة العجز، وقفز بالقارئ للوقوف على أعتاب زمن الجفاف؛ جفاف الحلم، جفاف العواطف، وجفاف الأجساد، فنحن هنا لا نتحدث عن رجال عاجزين عن الفعل، فهم في الواقع لديهم المقدرة على الممارسة الجنسية، بل وبمقدورهم القيام بذلك لساعات، ولكن دون طائل، إذ جف ماؤهم فباتوا مبتوري الخصوبة، غير قادرين على الاستمرار، حتى أمسى انقراضهم موضع سؤال. وبرغم أن الروائي يلقي بنا إلى القرن الستين من تقويم زمني غير واضح، إلا أنه وكأنه أراد أن يبرهن لنا على أن مستقبل هذا البلد المنكوب لن يحمل أي جديد، والحقيقة أن الإحالات تتسرب من كل سطور الحكاية، فالرواية وإن كانت مطرزة بخيط سردي يعتمد على مزج الفانتازيا والخيال في بوتقة دستوبيا خالصة، فإن التشابه الذي يبلغ حد التطابق بين مستقبل بلد المحيط والواقع المصري الراهن يطل جليًا من بين الكلمات، لذلك ربما أتوقع أن الرواية لم تكن لتنشر عبر دار نشر مصرية، فالفساد والتكوين الحكومي والوجوه المكررة والمافيات الدوائية والثورات التي لم تفرز أي تطور في مناحي الحياة هي أمور ألفناها في مصر في العشرية الأخيرة، ناهيك عن نكتة الحاكم البقرة الشهيرة، وإن كانت التسمية الأثيرة للحاكم إياه، كانت البقرة الضاحكة! وطن جفف حكامه كل منابع الأمل، فبات عقيمًا كغصن جاف، جفت الأحلام وتبلدت العواطف وانقرض الأطفال، واحتكرت الدولة حياة الناس فأطلقت أيدي مؤسساتها لتزويجهم أو نفيهم أو حتى إخصاؤهم، دون أن تتنازل عن حقها الأثير في تكميم الأفواه ومسخ العقول وتزوير الوقائع، حتى شارفت الحياة في بلد المحيط على الفناء الحقيقي، عبر عدة اضطرابات وصراعات، وصولاً إلى حرب أهلية دامية. الحكاية تُروى تدريجيًا بتقنية تعدد الرواة، لدينا راوٍ رئيسي مكلف من الأمم المتحدة بكتابة تقرير عما يجري في وطن المحيط، ورواة موازيين يتناوبون على السرد بحرية مطلقة يمنحها لهم الراوي الأصلي، بحيث تكتمل أحداث الفصول بإحكام وإتقان بين ألسنة الرواة. الشخوص بدورهم جاؤوا على ذات الدرجة من الغرائبية التي انتهجتها الرواية مع أول صفحاتها، شخصية شاهيناز اكتسبت صفات أسطورية، اتكأ الكاتب في خلقها على حكاية شاهيناز، الفتاة المصرية التي اغتصبت في رمضان 1992 في ميدان العتبة وحملت ذات الاسم، تلك الحادثة التي جرت منذ قرابة ثلاثة عقود ترسخت في وجدان الكاتب، حتى أفرزها في روايته هذه، مستبدلاً ميدان العتبة الخضراء في مسماه القاهري القديم، بميدان الخضراء في عاصمة بلد المحيط، معيدًا للضحية كل فرص الانتقام مما لحق بها في الواقع من ذل ومهانة وتنكيل، شاهيناز في النسوة اللاتي تمارس انتقامًا سحريًا تُفقد فيه الرجال مقدرتهم على الإخصاب، تمتص رحيقهم وتتركهم كثمرة جافة، لتظل فاعلة رئيسية تتشهى الوصال، وتتاجر بالموت وتخدم أضرحة الأولياء، محركة للأحداث على طول الخط وحتى النهاية. لدينا كذلك شخصيات أخرى استوقفتني جودة بناءها بدرجات متفاوتة، مثل حسين، ومسيرة تحولاته ما بين العمل الأمني والعمل في الجزارة، وما يلمسه من تشابه بين الأمرين، علاوة على شخصيات أخرى محورية مثل ذهني وياسمين وعزيز مصر وأم دينا وبعل زبول، والطيف المنوي الشفاف: شاكر، وصولاً إلى شخصية سين عين، الناجي الوحيد المحتفظ بقدرة بشرية على الإخصاب لا تطول كثيرًا، وإذا ما تأملنا بناء هذه الشخصية على وجه التحديد، انجلت لنا رسالة الكاتب، فالقادر على الفعل مُهمل، مُهمّش، غير مرئي، يعبره المارة وكأنه طيف خفي شفيف، غير موجود، يرضخ لكل مظاهر القهر والفساد، يعيش في عزلة بين سلاحف ترمز إلى وتيرة حياته وفتور حماسته، شخص سلبي محايد ذكرني بشخصية سرحان عبد البصير في مسرحية عادل إمام الشهيرة، إلا أن سين عين شخصية أكثر اكتمالاً ولديها تاريخ أكثر وضوحًا، فنحن أمام شخص منطوي، يعاني من التجاهل، غارق طوال الوقت في حيرة تسيجه طارحة عشرات التساؤلات حول جدوى الوجود، وجدوى التعايش مع البشر، وجدوى إنجاب الأطفال، تلك الحيرة تتمدد إثر ماضٍ أليم لتدفع سين عين للتشكك في ميوله الجنسية، في الوقت الذي بات فيه يمثل الأمل الأخير لاستمرار الحياة، فيما هو لا يؤمن كثيرًا بفائدة الحياة، وبأهمية وجوده، وبجدوى استمرار حياة الناس وإنجاب الأطفال في وطن كبلد المحيط! مشهد العجز في النسوة اللاتي يتسع ليضم صورًا ومظاهر أخرى لنتاج القهر وكبت الأحلام، ولا يتم اختزاله في صورة عجز الجسد على وجه التحديد، إنما تتبلور فيه صور مختلفة للعجز، العجز عن الفعل، عن الاستمرار، عن الحلم، عن التعبير، وعن التغيير. والكتابة تتراكم مشكلة لوحة أخيرة شديدة الاتساع لمشهد الخراب، عقب ثورة أخرى مجهضة، اشتعلت وانطفأت عبر النسوة اللاتي حلمن باسترداد المسلوب من أحلامهن في الأمومة، وفي الحياة، في المتعة، في مقاومة الذبول واستيلاد الخضار في وطن قاحل. إطار اللوحة مليء بالتجارب والشخوص الحقيقية والمستعارة والمتخيلة، ولكن اللوحة -في النهاية- تُطل على القارئ عبر أفق قاتم، وشمس كليلة، وجفاف يكسو عروق الأرض والوجوه على حد سواء. الحقيقة أنني لا أبالغ إذا ما توقعت منذ هذه اللحظة أن تكون "النسوة اللاتي" حاضرة في قوائم ترشيحات الجوائز خلال العام الجاري، الرواية محكمة البناء، جريئة وثائرة، مختلفة في العرض والتناول، تستحق المزيد من القراءات النقدية الجادة. شكرًا وجدي الكومي، عمل يستحق الإشادة والتقدير. #محمد_سمير_ندا #Samirreads للمزيد من القراءات السابقة https://mohamedsamirnada.wordpress.com/

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-13

المصدر الأصلي على ووردبريس