محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

مستر نون … الإنسان كنتاج للحرب

تقذف رواية مستر نون للروائية اللبنانية القديرة نجوى بركات بقارئها منذ صفحاتها الأولى إلى عوالم ضبابية كثيفة، يشهد فيها القارئ، عبر زاوية رؤية محدودة، قلمًا يسرد حكاية قيامة إليعازر بين يدي المسيح، ثم تتسع الصورة تدريجيًا بتوالي الأسطر وتعاقب الفصول، لينقشع الضباب، وتنجلي الصورة، وتتشكل جغرافية الحدث توازيًا مع ملامح الشخوص، حتى يكاد القارئ يعتقد أنه قد أمسك بتلابيب الحكاية، إلا أنه، وكلما ظن أنه لامس الحقيقة المراوغة خلف النص، وأولج مفاتيحه في أقفالها، تفاجأ بتحولات سردية، تبدل الأبواب والنوافذ، وتشيد عوالمًا بديلة.

لم يكن إليعازر هو الناهض من الموت، بل كان مستر نون، تلك الشخصية المحيرة، التي تحمل إرث ذكريات المدينة، علاوة على إرث هزائمه الخاص، شخصية تشكلت عوالمها على إيقاع الحرب، والفقد، والغبن، واهتزت أركانها مع دوي الرصاص وتوالي الخسارات، وانسحاب الحب من خلاياه منذ أن كان برعمًا يتوق إلى الخضار، حتى أضحى خمسينيًا يود لو يتحول إلى شجرة!

كاتب توقف عن الكتابة منذ خمسة عشر سنة، بعدما تعرض لخيبات تسبب كل منها في انهياره عصبيًا، وصولاً إلى حالة متقدمة من الفصام، الكاتب تطارده شخوص رواياته، وتمتزج في عوالمه، وكل خيال روائي منبعه حكاية حقيقية، فلقمان بطل روايته، هو ذاته لقمان الحرب الأهلية الذي أسقط والده في دوامة نهايته، وهو ذاته لقمان الذي سيتسلل من الرواية إلى أحياء العاصمة المتداعية، هناك حيث ترعى مواشي الرب كقطعان من اللاجئين والنازحين والمقهورين، في بطن الحوت الذي سيقفز فيه مستر نون طواعية. هكذا تمتلئ حياتنا بلقمان، يتناسل ويتناسخ تاجر الحرب، ورسول الخراب، ليشهر راياته في شتى أنحاء الذاكرة العربية، ويطوف حرًا في حواضرنا.

الرواية وكأنها تروى عبر كاميرا سينيمائية، الكادر يتسع تدريجيًا، والراوي الذي يحمل الكاميرا يعود إلى الخلف لتتسع مساحة الرؤية، لنراقب مستر نون في عزلته، يجتر الماضي، ويتفاعل مع الحاضر بهدوء مشوب بالترقب، لوحة البازل تتكون باحترافية أخاذة، عبر بناء سردي بديع في تطوره وتركيبه وإحكامه على حد سواء، نتجول مع مستر نون في أروقة الزمن الذي يتشكك في ترتيب أحداثه، ننغمس في هلاوسه، نتداخل في محاوراته حين يحار بين استخدام الضمائر، حين يكتب وحين يختلط الكاتب بالمكتوب!

ماذا أنتجت الحرب؟ أي أنسان أفرزته القنابل بعدما خصبه البارود؟ يعيد مستر نون تعرية الأعصاب، لينقر على كل مواضع الألم، يستدعي الحرب الأهلية، ويبث في أوراقه صراخ الضحايا منذ نزوح ٤٨، يراقب ذبول الحياة في عيون الأحياء، ويسجل تسربها من أجسادهم عبر نافذة أبيه، ثم يثب عبر الزمان ليصل الأوجاع، فيستدعي مآسي النازحين واللاجئين ما بين جوف البحر ونيران القذائف.

يحاول مستر نون التعافي بالحب، يسعى إلى غرام تندمل به ندوب الحرب، وتتجدد به رغبته في العيش، ولكن إرث الذاكرة كان مضنيًا إلى الحد الذي حوله إلى شتات يصعب أن تجمعه امرأه لتحتويه، فحملت له الأقدار أمًا تجاهلته، وأخًا استأثر بكل عواطف تلك الأم، وأبًا جنح إلى هروب مبكر، وحبيبة فارقته، وعشيقة انتزعت منه عنوة، فميراث وداعات ضاعف من أزمته، وعمق من وحدته.

تلتقي الخيوط قرب الخواتيم، مذيبة ذلك الضباب الأول، تكاد اللوحة تستقر على ألوانها، والكاميرا التي ما انفكت تهتز وترتعش حال وثبها بين عتبات الزمن، وتنقلها بين وجوه الكاتب والمكتوب، تستقر تدريجيًا على مشهد مستر نون في المصحة، يحاور ذاته، ويحاور بطله الهارب لقمان، ويقر بحقيقة وضعه العصبي والنفسي، حيت يتأهب القارئ لوداع الحكاية، فتمنحه الكاتبة صفحة أخيرة قوامها بضعة سطور تقريرية، تقذفه إلى عالم آخر من الدهشة الصافية، والذهول!

عمل روائي فذ، استثنائي، سيقيم بالبال طويلاً، يستحق أن تخصص له مساحات كبيرة من العرض الأدبي والتناول النقدي، الروائية القديرة نجوى بركات، التي لم تصدر أي رواية منذ خمسة عشر سنة، تمامًا كمستر نون الذي يشاركها الحرف الأول من اسمها كذلك، أبدعت وأجادت، وتستحق ربما الفوز في جائزة الشبخ زايد لهذا العام، فمع سابق إعجابي الشديد بعدة أعمال أخرى مرشحة لذات الجائزة، أجد أن هذا العمل هو الأحق بالاحتفاء والتكريم. وإذا كانت قيامة إليعازر من قبره هي واحدة من معجزات المسيح، فقيامة مستر نون من بين أوراقه كانت معجزة سردية أخرى، بطلتها نجوى بركات.

محمدسميرندا Samirreads

للمزيد من القراءات السابقة
https://mohamedsamirnada.wordpress.com/

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-14

المصدر الأصلي على ووردبريس