ممر جان دوست الآمن … والخوف من تضاؤل آمال النجاة…

وثيقة سردية أخرى عن المأساة السورية يقدمها الروائي السوري المسكون بوجع الحرب جان دوست، من خلال روايته "ممر آمن"، الصادرة عن دار مسكيليانى.
وثيقة سردية أخرى عن المأساة السورية يقدمها الروائي السوري المسكون بوجع الحرب جان دوست، من خلال روايته "ممر آمن"، الصادرة عن دار مسكيليانى.يفتح لنا جان دوست نافذة أخرى على الحرب، نشهد فيها وقائعها وندون خساراتها، ولكننا في هذه المرة نطل على ذلك المشهد القاتم عبر عيني صبي في الرابعة عشر من عمره، كاميران، الفتى الذي يروي فصول الحكاية لطبشورة صفراء، ليوثق ما جرى، فيما يتحول هو تدريجيًا إلى قطعة طبشور، لا تنشد سوى الحكي، ولا تبتغي إلا أن تدون وتسجل ذاكرة الحرب.
وفيما يبدو أنه استكمال لسيرة شخوص رواية "باص أخضر يغادر حلب"، نتتبع عبر الفصول المتعاقبة مسيرة شتات أسرة الطبيب الكردي فرهاد، المأسور لدى داعش منذ سنوات، من خلال ارتحالهم القسري بين المدن والمخيمات، بغية الوصول إلى ممر آمن، يوفر لهم فرص استمرار تقوضه الحرب، وتدحض كل الآمال في بلوغه.
كاميران، المصاب بسلس البول الليلي، الناقم على الحرب التي سلبته أباه وشقت شقيقته إلى نصفين، يروي، يفرز غضبه ويطلق شحنات ثورته المختزنة بين السطور، فيغزل لنا صورًا لما التقطته عيناه من شخوص جمعتهم مأساة الحرب وتشابهت على ألسنتهم مرويات الفقد والنزوح، ما بين أم فقدت قدرتها على الكلام بعدم ألف لسانها التحدث بأربع لغات، وخال يجابه الحرب بالموسيقى، وامرأة تعارض الحرب عبر خلق ساحة حرب أخرى بديلة في فراشها، وعجائز يجترون مرارة الحكاية، ويعددون أسماء الراحلين، فيما يحتفظون بمفاتيح دورهم، أملا في عودة مؤجلة، مأمولة.
نمضي رفقة الصبي على دراجته الخضراء تارة، وفي شاحنة الخال تارة، وفي ردهات حلمه تارة، لنعبئ سجلات الهزيمة، فنشاهد عجوزًا تتحول إلى حبة زيتون، وأشجارًا تنبت تحت أقدام العائدين إلى ديارهم بعكس خط سير النازحين، نتصفح في رحلة كاميران سماء بلون الزيتون، نتكئ على حافة فراشه المبلل، نتواطئ معه حين يتخلص سرًا من حفاظاته، نزور معه خطابات الأب الغائب، ثم نمر على حقول تلون زيتونها بالدم، فيما القوات التركية تشرع في تنفيذ عمليات قصف دامية، تحت مسمى غصن الزيتون!
صرخة في وجه الحرب، وابل من اللعنات يتسرب من الحكاية ليجرم الحرب والمتحاربين، وثيقة إدانة لكل الأطراف، يقدمها جان دوست عبر بناء سردي محكم، يصهر فيه الواقع والمتخيل في لوحة تطرزها فانتازيا كافكاوية تتوافق مع الألم والقهر الراسخين في نبرات كاميران طيلة الوقت، صيحة غضب، يسمع القارئ دويها عبر مفردات كاميران، وسبابه الدائم للحرب، وهو أمر ربما أقل مما تستحقه الحروب!
يتشكل السؤال فيما تذوي حياة كاميران، وتذوب كلماته في سيل الحرب، متراجعة خلف أصوات القصف ودوي الهاون؛ هل تمنح الحروب التي لا تفرق بين عجوز وطفلة وصبي ورضيع، ولا تميز بين شجرة زيتون وجدار خرساني، ممرات آمنة للضحايا؟ هل يكون الممر هو الخوف من تقلص آمال النجاة كما قال الفتى كاميران؟
عمل أخر شديد الإيلام والتميز لجان دوست، كاتب مبدع، لديه مشروع روائي يستحق بكل تأكيد المتابعة.
محمدسميرندا Samirreadsللمزيد من القراءات السابقة
https://mohamedsamirnada.wordpress.com/
تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-15