محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

اختلاط المواسم… فطرة الشر الإنساني، والحياة والموت كمترادفين للعشق والفقد.

في روايته الواردة في القائمة الطويلة للبوكر هذا العام، يطرح الروائي الجزائري بشير مفتي حفنة من التساؤلات حول الحياة والموت كمترادفات للعشق والفقد، ويناقش قضايا إنسانية وجودية، عبر حكاية محكمة البناء، تدور أحداثها في جزائر التسعينيات وما واكبها من تغيرات حياتية وأيدولوجية.، وعبر سرد بوليفوني سلس، يتناوب عليه أربعة شخصيات رئيسية، يستجوب الكاتب الكثير من مفاهيم الوعي الفردي والإشكاليات الوجودية التي تؤرق الإنسانية منذ الأزل.

الشخصية المحورية لدينا هي شخصية القاتل المحترف، الذي لا نعرف لا اسمًا حنى نهاية الأحداث، من خلال هذه الشخصية يتشكل أول الأسئلة؛ هل الشر هو فطرة الكون؟ والمكون الأساسي في تكوين الإنسان؟ فيما تأتي الفضيلة كأحد المظاهر الشائعة التي يتقنع بها الناس وفق احتياجاتهم وأهوائهم؟

القاتل يعتنق القتل كمذهب يرتكز فيه على بلوغ سكينته ونشوته وسلامه النفسي، لا يفرق بين القتل الرسمي باسم الوطن، وبين ذات الفعل لأسباب أخرى شخصية أو احترافية. والقاتل هنا شخص مثقف، قارئ للأدب وعلم النفس والفلسفة، معجب بشخصية راسكولنكوف، وإن كانت لديه تحفظات على تناول دوستويفسكي للشخصية، شخص لديه الكثير من الشكوك حول الوجود والعدم، الحياة والموت، وفطرة الإنسان.

ثم لدينا شخصيتين رئيسيتين وهما أستاذين جامعيين، يمثل كل منهما خطا موازيًا للآخر، يتشابهان ويختلفان في عدة مناحي، فالأول، صادق سعيد، مثقف أكاديمي، صاحب أيدولوجية واضحة راسخة، عاشق، له ضمير يقظ، مؤمن بالحريات، يتحول في النهاية إلى معارض سياسي شرس إثر انهيار حياته العاطفية، والثاني، فاروق طيبي، المثقف الأكاديمي بدوره، يبدو أكثر هشاشة، أقل إيمانًا بالمبادئ التي يؤمن بها صديقه، يقع ضحية لقصة غرام مستحيل، ينغمس فيها بكل جوانحه وصولاً إلى طور التدمير الذاتي.

أما الركيزة السردية الأساسية، الشخصية المحورية، الحاضرة فوق ألسنة الرجال الثلاثة، والجسد الذي يجمعهم في مطارح وأزمنة مختلفة، فهي شخصية سميرة قطاش، والتي تطرح الرواية من خلال قصتها المنثورة على أعتاب الفصول، وفوق ألسنة القاتل وصادق وفاروق، أزمة الأنثى العربية والحرية، وجواز الفصل بين القلب والجسد، ومعنى التحرر ومظاهره وحدوده وحقوقه، تخوض سميرة عدة تجارب تجمعها بشخوص كثر، لنراقب عبر مراحل التحول في شخصيتها ثالوث الحب والانتقام والموت، فسميرة الرقيقة الحالمة، العاشقة لصادق سعيد، سرعان ما تتحول إلى سميرة التي تستعذب تدمير فاروق دون ذنب اقترفه سوى الوقوع في غرامها، ثم نهاية، نشاهد سمير الانهزامية الاستسلامية، التي تذبل وتذوي راغبة في نهاية هادئة لعذاب اختارت ألا تفارق مداراته.

دون حرق الأحداث، خاتمة الرواية ستوثق نهاية مسارات الشخوص، باستثناء القاتل، الذي سيمنحه الكاتب حق الاستمرار عبر نهاية مفتوحة، وكأن الحياة -في زماننا هذا- تمنح أحقية البقاء والتجدد، لتلك الفصيلة من البشر، دون غيرهم.

عمل ممتع، يستجوب الكثير من المفاهيم، جاعلاً من جزائر عشرية الدم وما أعقبها خلفية توثق الأحداث والتطورات والممارسات الأمنية والسياسية آنذاك، بصوت هادئ يجنح بعيدًا عن صخب الخطابة المباشرة، رواية تطرح أسئلة مهمة دون أن تقع في فخ تقديم الإجابات وفرض الوصاية على القارئ، وهو أمر يجعل القارئ شريكًا فاعلاً، يندمج في حالة العصف الذهني التي تقدمها الحكاية، لا أن يقتصر دوره على أن يكون مجرد شاهد عابر، ومستمع جيد.

الأمر السلبي الوحيد في هذه الرواية متماسكة البناء، هو كثرة الأخطاء الكتابية الواردة في نسختها المطبوعة، الأمر الذي يوحي بأن عملية المراجعة والتدقيق ربما تمت بتسرع كبير، وهو أمر غريب أخذًا في الاعتبار حرفية وتميز منشورات ضفاف / الاختلاف التي أعرفها في العموم. أتمنى أن يتم تدارك ذلك في الطبعات التالية، فالرواية بكل تأكيد تستحق ذلك.

كل التقدير للروائي بشير مفتي

محمدسميرندا Samirreads

للمزيد من القراءات السابقة
https://mohamedsamirnada.wordpress.com/

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-17

المصدر الأصلي على ووردبريس