محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

رسائل من امرأة مختفية، البحث عن الحرية ينتهي بالبحث عن معتنقيها!

في أحدث أعمال الروائي المغربي الكبير محمد برادة، نبحث رفقته عن امرأة انقطعت إليها السبل، أديبة وصحفية تبخرت بغتة من الحياة دون أن تترك من رواءها أي أثر على موقعها المفترض فوق الخريطة، إلا أنها تترك أثرًا عميقًا، وندبة لا تندمل في صدور كل من عرفها ورافقها.

جاذبية عبد العزيز، المرأة الثائرة، المؤمنة بحرية المرأة، والمعتنقة للحريات في العموم، التي تفتحت براعهما في مغرب ما بعد الاستقلال، في ذروة أزمات صدام القصر مع اليسار، الباحثة عن ذات حائرة بين ذوات تعتكف غالبيتها في كهوف الموروث والمقدس، فتؤطر العلاقات في شكليات محددة، وتحرم الفطرة، ولا تمنح مواثيق الحرية لامرأة أيًا كانت مؤهلاتها، تبحث جاذبية عن حريتها، وعن كسر أطر الذكورية الحاكمة للمصائر في بلدان العرب، تنبش جاذبية الأرض والسماء والهواء بحثًا عن حريتها وسعيًا إلى توثيقها، في وطنٍ يتحسس بالكاد حريته الوليدة، تدور بين مدارات التجربة، غير آبهة بأية تابوهات ومُحددات، إلا أن أفكارها غير المتسقة مع زمانها تودي بها إلى السقوط في بئر من الاغتراب والانعزال، تغمرها حالة اغتراب الذات حد الذوبان، فالاختفاء.

هيمان السبتي، المثقف اليساري، والاقتصادي الحكومي، الذي تأسره جاذبية، فتجمعه بها علاقة نادرة الحدوث في المجتمعات العربية، يتكشف له هيامه بها تدريجيًا، عبر سنوات من الغرام غير المسيج بالرسميات، وصولاً إلى لحظة استتارها بالغياب التام، باكتشافه اختفائها، ومن ثم شروعه في البحث عنها بين أفراد من أسرتها وأصدقائها، وهي المرحلة التي يتناوب فيها أكثر من شخص على السرد، تحت إشراف الراوي العليم، وهيمان نفسه.

قد يكون اختفاء جاذبية اختفاءً رمزيًا، يعبر عن اختفاء ذلك الصوت من حاضرنا، أو اختفاء تلك الحالة، وربما أراد الكاتب أن يدعو قراءه إلى مشاركته رحلة البحث عن جاذبية، وعن آمال الحرية الضائعة، والمهدرة على أعتاب الزمان.

عبر لغة شعرية كثيفة، متنوعة فوق ألسنة الرواة والساردين، ومن خلال حكاية أشبه بالسيرة، تسمح وتدعو لثمة تداخل بين الحقيقي والتاريخي والمتخيل، ورصد دقيق لفترة زمنية هامة في تاريخ المغرب الحديث، قدم لنا الروائي المغربي المخضرم رواية متماسكة، طرح من خلالها أسئلة حول مفاهيم الحرية، ومدى تقبل المجتمعات العربية لتلك المفاهيم، مهما طالبت بها الشعوب.

حكاية شابة صاغها قلم ثمانيني خبير، أنصح بها محبي الأدب العربي، وعشاق اللغة العربية الحافلة بالزخارف والجماليات والتجريب على وجه الخصوص.

محمدسميرندا Samirreads

للمزيد من القراءات السابقة
https://mohamedsamirnada.wordpress.com/

تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-21

المصدر الأصلي على ووردبريس