رغوة سوداء، هل يمنح تزوير التاريخ وطنًا بديلاً، وهوية راسخة؟

في الرواية الفائزة بجائزة كتارا في دورتها الأخيرة، فئة الرواية المنشورة، يقدم الروائي الإريتري سؤالاً حول الهوية، ومدى ترسخ مفهوم الوطن في العقل الفردي لمواطني العالم الثالث، من خلال شخصية مواطن إريتري، هو -بالمعنى الحرفي- ابن للحرب، ونتاج مباشر لها.
داويت، هو شاب بلا أب ولا أم معلومين، هو ابن الحرب، ثمرة خصبها البارود، في لحظة جهاد حميمية بين مقاتلين ما، "فري قدلي" بمسمى الإريتريين، أي أنه نتاج علاقة غير شرعية بين جندي وجندية قررا أن يخوضا حربًا أخرى لإطفاء شهواتهما على الجبهة، مخلفين وراءهما جنينًا يقضي حياته على الجبهة، بين أثداء المرضعات، ودوي الرصاص والقنابل.
يبحث داويت عن وطن بديل، وطن لا تطارده فيه حقيقة نسبه المجهول، وطن يتحصل فيه حياة كريمة، ومعيشة مستقرة، بعيدًا عن جبهات القتال ومعسكرات الجنود، وطن يحظى فيه بحبيبة يشتل في جنباتها بذور العائلة، وقد عاش بلا هوية، بلا دين، وبلا وطن، هويته وديانته ووطنه هناك على الجبهة، مجتمعين في مسمى واحد مستمر، وهو الحرب.
يحاول داويت تزييف تاريخه في أكثر من مناسبة، سواءً كان ذلك على سبيل التجمل في عيني معشوقته، أو سعيًا إلى اللجوء إلى أية دولة حال الفوز باستعطاف المسئول الأممي عن شئون اللاجئين، يتنقل بين الأديان الثلاثة، ويغير اسمه في كل مرة، ظنًا أن ديانة ما قد تمنحه صك الحرية، ولكن الوقائع طالما جاءت أكثر تعقيدًا مما يظن، حتى حين ينتهي به الأمر وقد انضم إلى يهود الفلاشا، كبوابة عبور إلى إسرائيل، كانت الحقيقة بعيدًا كل البعد عما تمناه. فالتاريخ يطل في كل مرة ليلاحقه، والمصير لا يتبدل باختلاف الأسماء والديانات، والتنقل بين بلدان اختلفت في كل شيء، واتفقت على اضطهاده!
يقدم لنا حجي جابر حكاية شيقة، مثيرة، بتقنية سردية برع في غزلها، عبر وثبات زمنية متلاحقة بين زمانين متعاقبين بطلهما داويت، فالفصول جاءت كخطين متوازيين، أحدها يسبق الآخر ببضع سنوات، بحيث تكتمل الصورة، وتتكامل المعلومة بتلاحق الفصول والأحداث، كذلك جاءت الفصول القصيرة لتسرع من نسق الأحداث وإيقاعاتها، من خلال لغة هادئة متماسكة، ناسبت الحدث.
البطل في رواية حجي جابر بعيد كل البعد عن مواصفات البطولة، لم يقدم الروائي كذلك بطلاً مضطهدًا مظلومًا على طول الخط، على العكس، فداويت هنا، الذي هو كذلك داوود ويعقوب في مراحل مختلفة، شاب كاذب، متلون كحرباء، سارق، لا يجد غضاضة في كل ذلك طالما ظن أنه يحقق هدفه الأسمى في الهرب فاللجوء، تتعاطف معه تارة، وتنقم عليه تارة، ثم لا تلبث أن تقف على الحياد متابعًا حكايته، مستشرفًا مصيره، قبل أن تعود لتتعاطف معه من جديد، وقد خلصت من الحكاية أن الحياة لم تمنح داويت – على كل أخطائه – فرصة حقيقية واحدة ليكون مواطنً صالحًا، في أي دولة، وتحت أي علم بين إريتريا وأثيوبيا وإسرائيل، أنبتته الحياة نبتًا شيطانيًا بلا أصل، ثم عاش مضطهدًا، ضحية لتمزقات وصراعات لم تتوقف عن الفوران بداخله، وحرمان وقهر رافقاه كظله، وقد كان كل اضطهاد يتعرض له، ناتج عن أمور لم يخترها، ما بين كونه بلا أبوين، أو بسبب لونه، أو دينه كما تصور في أحد المراحل.
من خلال رحلة الإنسان للبحث عن الوطن والهوية، وعن الحب كملاذ آمن من الحروب، قدمت روايةُ رغوة سوداء ثمة توثيق لمرحلة تاريخية مهمة، بين قوسين أولهما مشدود بسهام الحرب، والآخر برصاصات رجال الأمن، وما بينهما محاولات مستمرة لإيجاد الملجأ والملاذ المرتجى، ومعاناة اللاجئين المضنية للغوص في قلب العالم، والانصهار في طرقاته والاختلاط بالبشر، عوضًا عن التحول إلى رغوة سوداء تطفو على أسطح الدنى، فيتخلص منها الأقوياء.
العمل فائز بجائزة كتارا، وقد توقعتُ جودته قبل قراءته، ولكن انطباعي عقب القراءة قد فاق بكل أمانة التوقعات التي سبقتها، للأسف الكاتب حجي جابر ليس ضمن قائمة الأصدقاء، أرجو ممن يعرفه أن يبلغه تحيتي، وتقديري الشديد لروايته "رغوة سوداء".
عمل آخر شديد التميز في قراءات هذا الشهر، أنصح بقراءته بشده.
محمدسميرندا Samirreadsللمزيد من القراءات السابقة
https://mohamedsamirnada.wordpress.com/
تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-21