أنا وحاييم، وثيقة إنسانية عن جزائر الثورة، ودعوة للاصطفاف خلف وطن يقبل الجميع، وينبذ الفرقة.

في روايته الفائزة بجائزة كتارا مؤخرًا، ينسج الروائي الجزائري الحبيب السائح حكايته بلغة قوية، مرتكزًا في بنائها السردي على صداقة، وعلاقة إنسانية وثيقة جمعت بين أرسلان المسلم، وحاييم اليهودي، في مرحلة دقيقة من تاريخ الجزائر الحديث، تبتدئ من الأربعينات حيث تئن الجزائر وتكتوي بنير الاستعمار، وصولًا إلى جزائر ما بعد الاستقلال في الستينات.
عبر مونولوج سردي ذاتي، يروي لنا أرسلان أسفار الحكاية، حكاية الوطن المحتل، ومقاومة أبناء هذا الوطن للغاصب الفرنسي، ملقيًا الضوء على حقائق توارت عن عقول الغالبية في عصرنا هذا، فالمحتل الفرنسي، حين اضطهد وأذل أبناء الوطن المسلوب، لم يفرق بين ذوي الديانات المختلفة، تمامًا كما أن المقاومة الشعبية حين انطلقت لتزيح ذلك المحتل، انخرط فيها كل الوطنيين، بغض النظر عن دياناتهم، فأرسلان وحاييم قد تشبثا بهويتهما منذ الصغر، ولم يحد أي منهما عن طريقه، ولم يتشكك أي منهما في مفاهيم الوطن المترسخة في وجدانهم منذ نعومة أظفارهم.
يرتبط الصديقان وتترعرع نبتة صداقتهما منذ الطفولة، ثم يتفوقان في دراستهما الجامعية، حيث يدرس أرسلان الفلسفة، فيما يدرس حاييم الصيدلة، وعبر سرد هادئ محكم، ينقل لنا الكاتب مسيرتيهما، على خلفية الاضطهاد الذي يعانيان منه، كسائر أهل الجزائر وقد فرضت على الجميع معاملة من الدرجة الثانية، أو أقل، ينقل لنا الكاتب تطورات الشخصيتين بقلم يرصد باحترافية تلك المرحلة الثرية من التاريخ الجزائري، حيث ينضم الصديقان، بطرائق مختلفة، إلى جبهة التحرير الوطنية، لينخرطا في حرب التحرير، كتفًا بكتف، وقد انصهرت في وجدانهما قضية وطن اتفقا على عشقه، وغامرا بكل شيء بغية تحرره.
تنتصر جبهة التحرير، وتتحرر الجزائر، فتتحور الحركة إلى حزب سياسي يتولى مقاليد الأمور، ليطرح الكاتب صرخته الاستفهامية الأكثر دويًا، هل تحررت الأوطان برحيل المستعمر، وعودة الغاصب إلى أراضيه؟ نتتبع مصير أرسلان وحاييم، وقد تم تقويض آمالهما في وطن أفضل، فأبعد الأول عن العمل السياسي إلى دوائر وزارة التربية والتعليم، وانتحى الثاني مؤثرًا البقاء في دوائر الظل والنسيان، يسائل الكاتب الثورة، ويحاكم قادتها السياسيين، ربابين السفينة التي حادت عن مسلكها المرجوّ، وهو أمر ربما أراد الكاتب من خلاله استقصاء الأسباب التي أودت بجزائر اليوم إلى هذا المصير، وقد استمرت السفينة في تخبطها، عبر محاولات الاستئثار بالسلطة وإقصاء المعارضين، والإصرار على اتباع الصوت الواحد، والرضوخ لمنطق الحكام الأبويين، ممن يقودون دفات الوطن ويوجهونها وفق أهوائهم، رافضين كل محاولات ذلك الوطني الآخر، بالاستماع إلى صوته، ولو لمرة واحدة.
عبر رسالة التسامح والتعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد من ذوي الديانات المختلفة، التي يبثها الكاتب في سطوره، ويؤطر بها حكايته الإنسانية عن الصداقة الفريدة الجامعة بين المسلم واليهودي، يدخل الكاتب عش الدبابير، ليتلقى -ربما- وابل من الاتهامات حول دوافه كتابته، وأهداف ربما أراد بها الدعوة إلى التطبيع والعلمانية ومحاباة المشروع اليهودي، خصوصًا في ظل المنحى الجديد الذي تنتهجه الإدارات العربية مع إسرائيل في الوقت الراهن، إلا أنني أقف مع الكاتب في ذات الخندق، أدافع عنه وعما كتب، فمفهوم الوطنية لابد أن يتسع ليشمل كافة الأطياف والفصائل، والرواية من وجهة نظري تحمل دعوة لنبذ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، ودعوة للجميع للاصطفاف خلف الحلم المشروع بوطن أفضل، يقبل الجميع، ويتيح اختلاف العقيدة والفكر والرأي، دون تجريم أو إقصاء.
تبدو فصول الحكاية وكأنها تطوي عشرين عامًا فيما هو ظاهر من أحداثها، بيد إنها في الواقع تمتد من واقعة المروحة منذ عام 1827، مرورًا بالاستعمار، فحرب التحرير والثورة، لتمتد تداعياتها إلى اللحظة الراهنة، التي هي نتاج لكل ما سبق، هي بمثابة وثيقة تاريخية سردية، تؤرخ تاريخ الجزائر الحديث، جاعلة من مراحل الثورة ركائز سردية مفصلية، تتكئ عليها الأحداث والتحولات، دون أن تحيد عن خط السرد الأساسي، المتعلق بصداقة أرسلان وحاييم.
عن الحرية، عن الصداقة، عن التسامح والمساواة في أزمنة الاضطهاد والغبن، عن الحب في ذروة آونة الحرب، عن الوطن ومفهوم الوطنية، وعن براعة العرب في الانقضاض على نتاح الثورات، وهوسهم المتوارث بجمع الغنائم، واتقانهم للخسارة مهما اقتربت منهم لحظات النصر، يقدم لنا الروائي الجزائري الحبيب السائح -عبر غلاف مميز وفونط كتابة للعنوان معبر تمامًا عن الأحداث- روايته "أنا وحاييم"، كعمل أدبي متفرد، شديد التميز، مختلف عما سبقه من أعمال تناولت ذات الفترة حسب قراءاتي، وهو عمل يستحق التكريم على منصات الجوائز، ويستحق التوقف أمامه بالمزيد من الاهتمام النقدي والتناول الأدبي عبر المختصين والدارسين، بدلاً من اختزال هذا العمل الأدبي الشيق في استنكار علاقة مثالية جمعت بين المسلم واليهودي، وإسقاط الاتهامات على الكاتب، من خلال من ضلوا سبلهم في قراءة الرواية فلم تبلغهم رسالتها الإنسانية السامية.
تجربة أخرى ممتعة مع الأدب الجزائري هذا الشهر، عقب قراءات سابقة لسعيد خطيبي وبشير مفتي، وقراءة هي الثانية -الموفقة- لأعمال الحبيب السائح بعد كولونيل الزبربر، والتي دارت أحداثها بدورها عن فترة ما بعد الاستقلال، فتحية تقدير وعرفان لهذا الكاتب العربي الكبير.
محمدسميرندا Samirreadsللمزيد من القراءات السابقة
https://mohamedsamirnada.wordpress.com/
تاريخ النشر في المدونة: 2020-02-28