دفاتر فارهو... غربة رحالة لا تبرح وجدان الغريب
كان من المذهل لي أن أكتشف أن هذه الرواية هي العمل الأول لكاتبتها! وبرغم أن الكاتبة العمانية ليلى عبد الله البوشي لديها إصدارات أدبية أخرى في مجال السرد القصصي، إلا أن روايتها الأولى تشي بقلم واعد مازال أماه الكثير ليحققه في عالم الرواية العربية.
الغربة هنا حالة، لا تتعلق بوطن أو جغرافية بعينها، إذ أن فارح، الذي يتحول فوق أسنة رفاقه المهاجرين (فارهو)، موعود بالغربة منذ أن تشكل وعيه الأول، فهو طفل غريب في مخيمات اللاجئين في الصومال، لا يعرف شيئًا عن وطن أمه الأصلي أثيوبيا، وهو غريب بطبيعة الحال في الخليج، مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، يتخرط في مجتمع العمالة الوافدة في الخليج، حيث وراء كل اسم حكاية لا تقل مأساوية عن الأخرى، فكل لاجئ لفظته أوطانه عقب حكاية دمار خلفته الحروب، أو حكاية فقدٍ نسجتها العقول الإظلامية، أو حادثة إجرامية غيرت مسارات الحياة.
تبتدئ الرواية بحيلة سردية تتيح من خلالها الكاتبة لبطلها الفرصة في أن يسرد حكايته، ففارهو في الثالثة والأربعين من عمره، يطله باحثًا أمريكيًا في شئون اللاجئين، على دفاتره التي دونها في محبسه، تتقمص الكاتبة شخصية اللاجئ الأثيوبي الوافد ببراعة تشي بجهود بحثية حقيقية قامت بها الكاتبة بغية إتمام عملها في صورة متماسكة، تمنح شخوصها لحمًا ودمًا وتبعثهم فوق الأوراق كشخصيات حقيقية، ففارهو وصديقيه الأقرب، قاسم وعبد الصمد، يشبهون كثيرًا أشخاص مروا بالجوار، نماذج ربما عرفناها أو التقينا بها هنا أو هناك، او استوقتنا في الطريق فلم نميز منها سوى لون البشرة، أو اللهجة الهجينة!
يروي فارهو حكايته، والألم والقهر والجوع يلونون الأحرف، وينسكبون من فصول الحكاية، أب رحل قبل أن يدرك حقيقة وجود ولده، أم مريضة، وخال مستغل، وأخت تطرق كل الأبواب سعيًا إلى مراوغة الجوع والفقر، وصولًا إلى توفير سبل البقاء. لا يتوقف فارهو -بعقله النشط اللماح- عن عقد المقارنات بين أوضاعه الحياتية وأوضاع المواطنين من أهل البلد الذي استقبله كلاجئ حرم من طفولته، ومن أبسط متع الحياة التي منحت لأقرانه المواطنين، يسائل الطفل أقداره طوال الوقت، يستجوب السماء عن دواعي التفرقة، وأسباب المنح والمنع والعطاء والحرمان، إلا أنه ينشغل بمصير أمه التي تقترب بوضوح من نهايتها، ويقرر مساعدتها بكل السبل المتاحة.
حكاية فارهو تنزّ ألمًا، وتنضح تفاصيلها بمعاناة الوافدين الأفارقة مع العنصرية بكل صورها، عبر اختزال الآخر – ذلك الوافد – في صورة محددة وفق لونه أو حسب ديانته، يقاوم شعوره المضطرد بالدونية والاغتراب عبر التفوق النسبي في دراسته المسائية، التي يقتصر فيها رفاقه على الوافدين ممن يُدرجون في تلك المدارس الخيرية نظرًا لانعدام مقدرتهم على الانضمام إلى المدارس الحكومية وسداد مصروفاتها، يتعرف تدريجيًا على خلفيات رفاقه، وعن الحكاية المسيجة خلف كل جدار يؤوي أحدهم، حتى يجئ تعرفه على مواطن من أهل البلد، ليكون بمثابة نقطة فاصلة في الأحداث.
ينقسم السرد إلى قسمين، أولهما رواية فارهو الأربعيني لحكايته على مسامع الباحث الأمريكي المهتم بعمل فيلم عن حكايات اللاجئين، فيما ينقسم القسم الثاني بدوره إلى خطين تدور أحداثهما في زمانين مغايرين، فهو ينطلق ليروي قصته في الصومال قبل الهجرة إلى الخليج، وبالتوازي مع ذلك يروي وقائع حكايته بعد الاستقرار في البلدة الخليجية، ويسري تياري السرد بالتناوب حتى يلتقيان لتكتمل الصورة، وتتصل الأحداث.
لا تعلن الرواية اسم الدولة التي يعيش فيها فارهو على وجه التحديد، وكأنها أرادت تعميم الحالة والظرف على أكثر من مكان دون أن تتقيد بجغرافية بعينها، وإن كان ذكر الدرهم كعملة للتداول قد جاء كافيًا لتوضيح سريان الحدث في دولة الإمارات العربية، حيث تعيش الكاتبة بالفعل.
ربما شعرتُ أنه كان هناك المزيد الذي لم يروى بعد، ربما كانت الرواية بحاجة إلى بضعة فصول إضافية، تمنح المزيد من التفاصيل، وتزيح بقايا الضباب الحاضرة في أواخر الفصول، ربما أردتُ ثمة تفاعل من الباحث الأمريكي مع حكاية فارهو، فهو حاضر اسمًا، دون دور حقيقي في السرد، وقد كنتُ أظن أن تفاعله مع فارهو في سرده لما جاء في دفاتره، كان ليضفي المزيد من الحيوية والتوع على النص.
في نهاية الأمر، الملاحظات أعلاه لا تنتقص شيئًا من جودة النص، ومن إعجابي الشديد به، ومن تقديري الشخصي للكاتبة التي أدهشتني بعملها الروائي الأول، الذي جاء كوعد وميثاق عقدته الكاتبة معي كقارئ، بالمزيد من الأعمال الروائية المتميزة، كدفاتر فارهو.
الرواية ترشحت في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد في فرع المؤلف الشاب، ولكن الحظ لم يحالفها في بلوغ القائمة القصيرة، ولعل ذلك يدفعني مرة أخرى للإشارة إلى صعوبة دمج الفن الروائي بالمجال البحثي في مسابقة أدبية واحدة، وأتمنى أن ينظر القائمون على جائزة الشيخ زايد في كيفية تقسيم فروع الجائزة، فالأفضل والأوقع منح جائزة منفصلة في المجال البحثي، وجائزة أخرى في مجال الروائي.
رواية متميزة، موضوعها مختلف، لغتها قوية وكثيفة، حافلة بالصور والجماليات، وبناؤها محكم، أنصح بقراءتها بكل تأكيد.تاريخ النشر في المدونة: 2020-03-03