تلاوات مصطفى منير... المحو كعقاب للبشرية
انتهيت مؤخرًا من قراءة رواية (تلاوات المحو... ثلاث دهشات لحياة أخيرة) للكاتب المصري الشاب مصطفى منير، وهي رواية ضخمة جاءت في قرابة 430 صفحة، حافلة بالأحداث والدهشات، رواية دستوبيا تعزف على أوتار أدب أمريكا اللاتينية ومدرسته الأشهر، نحن أمام فانتازيا واقعية سحرية تمزج الواقع بالتاريخ بالخيال، لتستشرف مصير البشرية بعدما ناءت الأرض بحمل آثام البشر.
وردًا على سؤال أحد الأصدقاء، حول اهتمامي بقراءة الأدب العربي على حساب الأدب المصري، ودوافعي تجاه هذا الانتحاء الطوعي تجاه الأدب غير المصري إن صح التعبير، أقول بأنني محب للغة، مولع باللغة التصويرية الحافلة بالجماليات والتصريفات، الحافلة بالتجديد، لهذا كان من الطبيعي الانجذاب التلقائي نحو الأدب السوري والعراقي والخليجي والمغاربي، وعلى وجه التحديد ما أفرزته الحروب في الشام والعراق من أدب شديد التميز، نابع من قلب المأساة، شديد الواقعية والإيلام في ذات الوقت، خصوصًا وأن الأدب المصري – مع الاعتراف بجودة الكثير من الأقلام المصرية واعجابي الشخصي بعدد غير قليل من المشاريع الأدبية لكُتّاب مصريين – شديد التقوقع داخل صندوق الكتابة الآمنة، وهي الكتابة التي لا تسبب المشكلات ولا تثير الجدل، في حين أؤمن بأن الكتابة هي بالأساس عملية ضرب على أوتار المشكلات، نكأ للجراح، وإيقاد لكل مشاعل الجدل، ذلك علاوة على السيل المغرق من كتابات الرعب والخيال التي تصدرها العديد من دور النشر، بعد تقاضي كلفة الطباعة من المؤلفين، دون أي تدقيق أو مراجعة أو انشغال بمدى كون النص أصلي غير مقتبس من هنا أو هناك، الأمر الذي يصعب ويعقد من عملية الفرز، ويُصدّر -طيلة الوقت- انطباعًا خاطئًا حول الأدب المصري في العموم. لهذه الأسباب؛ كنتُ قد أعجبت كثيرًا برواية وجدي الكومي الأخيرة (النسوة اللاتي) وسعدتُ بها، ولذات الأمر؛ أسجل اليوم اعجابي الصادق بكتابة مصطفى منير، وبروايته الأخيرة التي أنا بصدد إبداء الرأي حول ما طرحته؛ تلاوات المحو.
مرة أخرى يأخذنا مصطفى منير في رحلة مع أدب الدستوبيا في نسخته المغرقة في عوالم الواقعية السحرية، فهو هنا يرصد الأحداث في مصر في مستقبل لا يبدو بعيدًا عن اللحظة الراهنة، ارتكازًا على فرضيات تستجلب الدهشة، أولها سقوط الكتب من السماء، والكتب المعنية هنا هي تلك التي حوت أعمال البشر من الميلاد إلى الموت، وثانيها إمّحاء الملامح ليصير البشر سواسية متشابهين في الهيئة والعجز على حد سواء، فيما تجيء ثالث الدهشات لتقذف بالقارئ للوقوف على أبواب القيامة.
لدينا أربع شخصيات محورية، سأتناول كيفية تلقيها كقاريء فيما يلي مع الحرص على عدم كشف المسارات والأحداث ومن ثم حرق الرواية لمن لم يقرأها، ذلك قدر المستطاع:
أول الشخوص، وأكثرها محورية هو محي ابن طاهرة، التجسيد الأخير للمسيح على الأرض، المسلم - مجهول الأصل- المبتلى بتطابق ملامحه مع ملامح المسيح عليه السلام، وهو هنا يتفق مع المسيح في تسامحه وجنوحه الدائم إلى السلم، والانعزال عن العامة، يحاول محي الاحتفاظ بالكتب الممنوعة كمحاولة لحفظ التراث الثقافي البشري من الضياع، فيما المصريون على وجه الخصوص منهمكون في عملية هدم لتاريخهم وثقافتهم، يعمل محي كمصحح لغوي في مجمع كنسي، ينخرط في القراءة حتى يفكر في إعادة ترجمة الإنجيل، ليدخل في مواجهة مباشرة مع حواريي اليوم، فيتشابه مع المسيح كذلك في المسار قرب النهايات.
الشخصية الثانية هي نعمة ابنة الشوارع، نموذج القهر والظلم البشري المستديم، فنعمة لا تعرف النعم ولا تتذوقها، إذ هي منكوبة بمرض غامض ينتج عنه احتقارها من الكافة، واختزالها كوعاء جسدي لتفريغ الشهوات، وهي لذلك ناقمة على الجنس البشري برمته، متأهبة للعدوان على أي شخص، وكل شخص، في أي وقت.
الشخصية الثالثة هي محمد عبد القوي عامل الدوكو، المنهمك في عملية خلق مصغرة لمانيكانات العرض، وإن كان عمله يتلخص في إكساب الجماد لون البشر، لحم الهوانم، وعبد القوي بدوره متشكك في تاريخه، منزوع الأساس، فاقد للرغبة في التفكير، متقوقع في بقعة من فراغ يستعذبها، يسير مع الأحداث كقشة يجرفها تيار الحياة، دون إرادة حقيقة في استبيان المسارات والمشاركة في اختيارها، تتشابك مساراته مع بكار، فيلتجئ إليه في مرحلة ما، ليشاركه عملية خلق جديدة، لكيانات سيستبدل الله بها البشر في نهاية الأمر، تزامنًا مع كشف الكاتب لتاريخ شخصية عبد القوي.
أما آخر الشخصيات، فهو فيليب، سفير الجحيم في الأرض، عامل الفخار الذي يختلط في أفرانه الطمي بأجساد البشر، وقد خضع لوساوس سيده الغامض، الذي هو تجسيد آخر لإبليس في الأرض، في الوقت الذي يمثل فيه فيليب امتدادًا لنسل نبي دعيّ مخادع، تتكشف حقيقته بتوالي الأحدث وصولاً على النهايات، عقب غيبوبة طويلة انخرط فيها في محاورات ولقاءات مع يهوذا الإسخريوطي، واستجوب من خلالها الكثير من المفاهيم.
تكنيك السرد منح الرواية خطًا تشويقيًا استمر طيلة الأحداث، فالكاتب يسرد حكايته عبر تناوب بديع بين الشخوص، والراوي العليم المتمثل في شخصية السارد الأول، والساردة الأنثى في بعض الفصول الأولى والوسطى، أو في الفصول التي توجتها عبارة "العوام"، نحن إذن نستمع إلى صوت محي ابن طاهرة روايًا للحكاية، ثم نستمع إلى باقي فصول روايته كمرويّ عنه، وهكذا بالتناوب حتى تكتمل الصورة، والأمر سيان فيما يخص باقي الشخوص. تكنيك السرد بدوره جاء مختلفًا لا يخلو من الابتكار والتجديد، شديد الإحكام، فنحن نتابع الأحداث وقد سرت في سياقين زمنيين، الأول يجري فيما أعقب الدهشة الأولى (سقوط الكتب)، والثاني فيما أعقب الدهشة الثانية (إمّحاء الملامح)، ورغم تفاوت الفترات الزمنية فإن السياقين يسريان توازيًا، حتى يلتقط القارئ الخطوط وتنجلي الصورة مع أواخر الصفحات، مع الإفصاح عن مكنون الدهشة الثالثة والأخيرة.
لغة مصطفى منير لافتة، شعرية عذبة، حافلة بالتعابير الجمالية، أعرف أنني وصفت عدة كتابات بذات الوصف من قبل، ولكنني هنا أود أن أقطع بأن لغة الكاتب ربما جاءت لتكون دهشة رابعة لم ينوه لها العنوان، على الأقل بالنسبة لي كقارئ، ذلك مع تحفظ صريح أؤجله لخاتمة هذا التناول.
استحضر الكاتب العديد من الشخوص والمعلومات التاريخية عبر فتح بطن التاريخ وانتقاء ما يتسق مع حكايته، كان الأمر موفقًا إلى حد كبير، إلا أن انحسار الاستحضار في شخوص من الديانة المسيحية وما سبقها قد لفت نطري، وساقني إلى استفسار آخر في نهاية الصفحات، حول غياب الديانة الإٍسلامية عن مشهد القيامة، التي فجر بها الكاتب كل المعتقدات والموروثات المتناقلة بأن جاء مشهدها مغايرًا لما نحن به مخبرون منذ الأزل، أحببت ثورة الكاتب على المنقول برمته، ولكنني – كما أسلفت – توقفت لوهلة أمام غياب الديانة الإٍسلامية عن الحدث الجلل، وتوقفت أمام احتمالين أميل إلى ثانيهما، الاحتمال الأول هو أن قيامة مصطفى منير تنكر -ضمنيًا- الديانة الإسلامية، وتنحيها عن مشهد الحق المنتظر، عبر اختزال الحضور الإلهي في شخص المسيح، وثاني الاحتمالات هو أن الكاتب ربما أراد الابتعاد عن الجدل الذي كان حتمًا ليدور إذا ما استحضر الكاتب شخصيات إسلامية توازي شخص المسيح ومن جاوره. وإن كنت أرى أن المتلقي قد يتردد بين الاحتماليتين، فإنني أثق أن الكاتب لا يتوجب عليه إن يجيب على استفساري هذا، فترك القراء في حالة جدلية من محاولة استنباط المراد، تطيل عمر الرواية، فيما سيكون الأمر مغايرًا إذا ما باح الكاتب – أي كاتب – بنواياه.
ماذا عما لم أحبه في رواية مصطفى منير المتميزة التي بين يدينا؟
الجنس بكل تأكيد! انا أقرأ منذ قرابة ثلاثين سنة، ولم يصدر عني ذات يوم أي اعتراض حول التناول الجنسي في الأدب، إذا أنني أدعي بأنني من أشد المؤمنين بحرية الإبداع، ودعاة التحرر الوجوبي من أضلاع صندوق الكتابة الآمنة، لم أعترض حتى على أعمال أدبية صنفت بأنها تندرج تحت مسمى الأدب الإيروسي، فما الذي أزعجني هنا؟ مرة أخرى: طريقة تناول الجنس! فالجنس هنا فج، شديد الفظاظة! الألفاظ والمشاهد والوصف الدقيق، وتكرار الأمر عدة مرات بطوا أحداث الرواية، والإفراط في وصف سلوكيات غريبة حد الشذوذ والحيوانية، ربما جاء كصوت نشاز عالٍ أخل بتناسق أوركسترا السرد، أعرف أن الكاتب ربما أراد أن تجيء المشاهد والألفاظ بتلك الطريقة لتكون صادمة، كفيلة بتحقيق حالة من الصدمة لدى المتلقي، خصوصًا وأن المشاهد الجنسية هنا جاءت متسقة على طول الخط مع حالة القهر والاضطهاد الذي عاشته ابنة الشوارع التي عاملها البشر بطريقة أدنى من معاملة الحيوانات، ولكن القارئ -ربما- لا يتحمل كل هذا القدر من الصدمات المتتالية، فالإصرار على الوصف التفصيلي في عشرات المشاهد لم يكن – من وجهة نظري- في صالح العمل، وإن كان لا يقلل من جودة النص في المجمل.
الكاتب أراد أن يحاكم البشرية وقد حاد البشر عن كل دروب الحق، واستعذبوا الضلال حتى انخرطوا في طقوسه غير عابئين بالنهايات، وقد أجاد الكاتب في خلق الحالة، ووصف الشخوص وتكوينهم ونسج الٍإسقاطات الكامنة خلف كل شخصية عبر رمزية محكمة التكوين، بعيدًا عن حالة الوعظ والإرشاد التي لم تحضر في الرواية سوى في أواخر الصفحات، إذ بزغ صوت الكاتب جليًا زاعقًا للمرة الأولى، مستخلصًا العبرة مما جرى، وإن كنت لأرحب أكثر بالنهاية إذا ما ترك الكاتب للقارئ مهمة استخلاص العبرة مما أتت به البشرية من خطايا تستحق على إثرها هذا العقاب، دون أي إملاء مباشر على القارئ.
رواية ممتعة، ضخمة ولكنها شديدة التشويق بصورة لا تشعر معها بحجمها، مقبضة في حالتها العامة، ولكنها لم تسبب لي الاكتئاب بقدر ما حققت لي الدهشة والسعادة، الدهشة بجودة النص واختلافه عن السائد، والسعادة بوجود قلم مُجيد كقلم مصطفى منير، يحمل همًا حقيقيًا على كتفه، ويواصل الإبداع في زمن صعب فيه فرز الصالح عن الطالح. رواية تحمل بارقة أمل حقيقي بأن الأدب المصري لازال يتمتع بعافيته، وبأن الأقلام المصرية الشابة قادرة على مواصلة مسيرة الأجيال السابقة، عبر أدب مختلف لا يقل جودة، ولكنه مختلف لا يحاكي ولا يستنسخ كتابات السابقين، ولا يتبع خط هذا أو ذاك.
لا يفوتني هنا الإشادة بالقائمين على دار المحروسة، ولا يسعني إلا أن أشد على يديهم شاكرًا على اهتمامهم بجودة النصوص التي ينشرونها، وقد توج مجهودهم العام الماضي في جائزة ساويرس باحتلال عملين من أعمالهم للمركزين الأول الثاني، وربما نرى رواية مصطفى منير هذا العام فوق ذات المنصة للتكريم.
أنصح الجميع باقتناء رواية مصطفى منير وقراءتها، فهكذا نسهم جميعًا في عملية الفرز، عبر الترويج للأعمال أدبية الحقيقية، المتميزة، وتجاهل الأدب الاستهلاكي الذي تكتظ به المكتبات وفرشات الكتب.
شكرًا يا درش 😊وفي انتظار جديدك بكل تأكيد.
#محمد_سمير_ندا
#محمد_سمير_ندا
#Samirreadsتاريخ النشر في المدونة: 2020-03-08