شمس بيضاء باردة... عندما يدفع سيزيف الحجر من القمة إلى السفح!
في روايتها الأخيرة، شمس بيضاء باردة، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة للبوكر عام 2019، تطرح الروائية الأردنية كفى الزغبي قضية شاب يقرر الانسحاب تدريجيًا من حياة لا يقدر على تعاطي مفرداتها، بعدما عجز عن مواجهتها بضمير يقظ لا يكف عن وخزه ونكأ مواضع الألم التي تسبب بها. لفظته الحياة فلفظها، وعزلته فتحوصل في عزلة إضافية، منتظرًا خاتمة الحكاية، دون أن يقدم على أي فعل من شأنه تغيير مساراتها.
أب متزمت، جاهل دعيّ، حريص على إبراز قشور التدين، فيما هو سراق إرث وعدو بيّن للكلمة، تنشب بينه وبين ولده -بطل الرواية- مواجهات قاسية بسبب إصرار الابن على اقتناء الكتب وقراءتها، كمتنفس يتسرب عبره من كآبة حواضره إلى صفحات الكتب، فيما الأب يصر على أن يكرر قصة حياته في جسد ولده، فلا بديل عن أن يعيد الابن مسيرة الأب من خلال الزواج والعمل بالزراعة ورعي الأغنام، ليصبح كل ما هو خلاف ذلك بمثابة الخروج عن طاعة الأب، والاكتساب لعداوته.
كانت تلك هزيمته الأولى، وبطلنا هنا مدمن للهزيمة في حروب لا يجسر على دخولها، كل خسائره ناتجة عن الانسحاب، لا عن مواجهة فانهزام، فهو لا يواجه، يواجه غضبة أبيه المستمرة بهدوء وحقد مكتوم، يشارك أمه سلبيتها وصمتها، فيلتجئ إلى ثأر وهمي في عوالم الحلم، حيث يرى نفسه يقتل أباه، وينتقم لرميم كتبه المحروقة.
أزمة البطل تشتد مع عجزة عن تحديد هويته، وفشله في إيجاد موضع قدم لنفسه فوق الأرض، فالمدن تتشارك في نفيه ونبذه، والأرجل مرتعشة، والحياة مغايرة لما جاء في صفحات الكتب، ينزوي البطل، وينسحب محملاً بعبء خطيئة واحدة أتى بها في لحظة ضعف، ولا يتوقف عن جلد ذاته على إثرها، وتأنيب نفسه على ما آلت إليه أمور ضحيته، فعائشة، الفتاة منقوصة العقل، قد تسربت إلى فراشه في ليلة غلفتها رغباتهما في وصال الجسد، وما نتج عن ذلك كان دفع بطيء للفتاة اليتيمة صوب الحافة، وصولاً إلى النهاية القاسية، ماتت الفتاة وفي أحشائها ثمرة غرسها هو في رحمها بعدما تكررت الليالي وتوالى اشتباك الجسدين، ليعيش هو في طوفان من هواجس تجلبها إلى خاطره، وتجسدها حاضرة كلما أوشكت على الغياب.
يحمل البطل صخرة سيزيف، ويمضي مُطاردًا بلعنات لا تفارقه، دون أن يخدع الآلهة كما كان حال سيزيف، يسير في دروب لا تمنحه الأقدار الفرص لاختيارها، يمضي في رحلة استكشافية على ضفاف أسطورة جلجامش وانكيدو، تتداخل أصوات الواقع والمثولوجيا في ردهات عقله، حتى تلوح في آفاقه بارقة أمل في العثور على أسباب الوجود، يهرع لملاحقة الضوء الملوّح في الأفق، يبحث عن شمس هي حتمًا مرسلته، ولكن تلك الشمس تبزغ بيضاءً باردة، لا تزيح العتمة ولا تبث الدفء، فحبيبته التي يطارد طيفها بين أروقة المكتبة، يتضح أنها أرملة صديقه الأقرب، الذي كان أكثر منه شجاعة فسارع بملاقاة مصير انكيدو طواعية، فيما بطلنا الراعي لا يملك شجاعة صديقه أحمد، ولا قوة جلجامش وانكيدو، إذ اختار طواعية مصير سيزيف منذ البدايات، وبات يستعذب الضياع والعذاب، والعيش على هوامش الدنيا.
يصاحب نمو نبتة العشق الواهنة انسحاب تدريجي لصوت الضمير الذي لا يتوقف عن تجسيد عائشة في مخيلته، ويؤرقه بتشبيهه لأبيه وقد تشاركا في سلب الفتاة كل ما ملكته، ولكن ذات الصوت يعود لتقريعه ومطاردته عبر استحضار طيف أحمد ليلومه على الانجذاب لمعشوقته وأرملته، فينخرط هو في محاكمات مستمرة للأرملة تنتهي بهروبها منه بعدما قاربت بينهما المسارات.
طيلة أحداث الرواية، تشعر وأن حكاية البطل تسرد بمعزل عن العالم، وربما هو أمر مقصود بتوثيق حالة العزلة التي عششت بين ضلوعه، تمر الشخوص من حوله وتتقاطع الطرق، وربما تتشابك، لا نتعرف على خلفية الأب التي أودت به إلى تلك الحالة الدوغماتية، وربما يكون لذلك للتدليل على شيوع ذلك النمط في المجتمعات العربية، تمامًا كحال الأم المنسحقة أمام الأب، ربما لن نعرف عنها الكثير، ولكننا سنلاحظ تشابهها مع أغلب الأمهات المغلوبات على أمرهن، نلحظ أيضًا حضورًا باهتًا لإخوة البطل، وهم نماذج لا نميز من تكوينها سوى الرضوخ لسطوة الأب والامتثال لسلطاته والرضاء بمسارات الحياة التي حددها لكل منهم، كذلك يمر عبر الفصول شخص كمازن، صديق عقلاني يعرف سياسة المواءمة، فيما يمثل أحمد نموذجًا آخر للشاب العربي المهزوم أمام قسوة الحياة وصعوبة توفير متطلباتها الأساسية، في ظل سياسات لا توفر من خلالها الحكومات الحد الأدنى من ضمانات العيش الكريم.
رواية رائعة، تحمل رسالة فلسفية حول مغزي الوجود ودوافع الاستمرار، لوحة سريالية تصور سيرة عربي مهزوم منذ الميلاد، حكاية عن خاسر استسلم لمطاردة اللعنات والأخبار السيئة، فلم يبد أي مقاومة حقيقية لقيود وعراقيل راحت تلتف حوله وتكبل حركته وإرادته على حد سواء، ينتهي به الحال أسيرًا دون سجان وبلا قضبان، داخل غرفة لا تحوي نافذة واحدة للأمل، غارق في صمت ظاهري فيما الضجيج والأصوات صاخبة في رأسه، يسترجع سيرة جلجامش، فيدرك أنه لم يكن بطلاً، ولم ينل من عبرات الحكاية غير التيقن من حتمية الفناء، يتقوقع في شرنقة غربته، مُجسدًا محنة غربة الفرد وغربة المجتمع على حد سواء، فهو الغريب في داره بين أسرته، الغريب في عمله بين أقرانه من المدرسين، الغريب في المجتمع برمته، بعدما استسلم للنهاية منذ أول السطور، فوقف على شفا الجنون دون أن يجرؤ -حتى- على الدخول في عراك مع أوهامه مثل دون كيشوت، بل راح يدفع صخرة سيزيف صوب قمة الجبل ثم انتظر سقوطها كي تسحقه، بل ربما كان يدفعها من القمة إلى القاع مُسرّعًا من وتيرة السقوط، حتى يبلغ الحضيض، ليلقى نهاية حتمية -منطقية- لحكايته.
لا يفوتني هنا أن أشيد بمدى جمالية اللغة التي كُتبت بها هذه الرواية، لغة شعرية عذبة، متماسكة ومعبرة، حافلة بالصور، ومناسبة للحدث والحديث بطول الأحداث، أحد أهم عناصر هذه الرواية من وجهة نظري.
القراءة الأولى لي للروائية الأردنية كفى الزغبي، وهي حتمًا لن تكون القراءة الأخيرة لأعمال الكاتبة، وهي رواية أخرى تزيد من الحيرة التي لم تفارقني منذ الإعلان عن الفائز بجائزة البوكر العام الماضي. فبعد قراءة النبيذة وشمس بيضاء باردة، يمسي تقبل فوز بريد الليل بالجائزة أمرًا صعب التقبل، على الأقل من وجهة نظري الشخصية.
شكرًا للأستاذة كفى الزغبي: سأكون دائمًا في انتظار جديدك
#محمد_سمير_ندا
#Samirreadsتاريخ النشر في المدونة: 2020-03-29