النبيذة... وثيقة سردية توثق عمرًا من الخسارات!
ذات أمسية شتوية، منذ أسابيع قليل، جمعتني بولديّ، كريم وزياد، محاورة حول الأحلام والآمال المؤجلة لكل منا، وحين جاء دوري بعدما استمعت إلى سيل من الأحلام المتسقة مع الطفولة التي يرتعان بين عتباتها، أجبت بعد نوبة شرود قصيرة:
أود زيارة بغداد، ولو لمرة واحدة قبل أن أموت!
حين عدتُ من بغداد عام ١٩٨٥، لم أكن أعرف لي وطنًا سواها، إذ ولدت هناك عام ١٩٧٨، ولم تطأ قدماي أرض القاهرة إلا بعد سبع سنوات، ورغم تكرار السفر بين أكثر من جهة عقب ذلك، واضطرار أبي إلى الانخراط في نوبات هجرة وغربة طالت، بقيت بغداد حاضرة في ذهني بين حين وآخر، لطالما اشتقت إلى مصر في سنوات الصبا، حين استقرت بنا الأقدار في طرابلس الغرب، ولكنني حين أرتب اليوم حقائب الذاكرة، أفطن إلى أن اشتياقي إلى مصر ظل مقرونًا بأصدقاء وأقارب جمعتني بهم ذكريات وتشاركت وإياهم حكايات، والمغترب لا يتوقف في غربته عن الغرق في بحر من النوستالجيا التي تستدعي صور الأمس لتنثال في مخيلته مفرزة مرارة الهجر، هكذا كان اشتياقي لمصر مضفورًا بوجوه وأمكنة نقشت على جفون الصبي الذي كنته، إلا أن اشتياقي الدائم لبغداد حتى هذه اللحظة، لم يقترن بشيء! فأنا لا أذكر أحدًا في بغداد تقريبًا، ولم يعد لي أحد هناك، ولا أحتفظ بالكثير من التفاصيل في ذاكرة المكان حيث عشت وتجولت، أتذكر وجه أم صائب جارتنا التي تركتها تنتظر عودة ولدها من الحرب، ووجه معلمتي في الروضة، واسم البستانجي الذي كان يهتم بالزروع والورود وشجر النارنج في حديقتنا، إلا أنني حين تركت بغداد، طفلاً في السابعة، تركت شيئًا مني هناك، وزرعت بغداد بدورها حبلاً سريًا يربطني بها حتى اليوم، ويفرز غصة ووخزة في صدري كلما تابعت نشرات الأخبار.
"هل تكفي بغداد رابطة بيننا؟ مدينة تقلب المواجع، تجرح وتحظر اندمال الجروح. أرض جياشة تزدري بالذين هجوا منها. إذهبوا حيثما شئتم ولن تغادروني. تشتتوا واعشقوا وتعلموا واسكروا وتاجروا وناموا في غرف الحبيبات، أو على الأرصفة وتحت الجسور. إركبوا الطائرات واليخوت وقوارب الموت والزلاجات والقطارات والحمير. خونوا أو احفظوا العهد، إفعلوا العشرة وذمتها... إن خراجكم لي. لن يقال عنكم سوى عراقيين."
النبيذة - ص ٣٩
تلك هي القراءة الثانية للنبيذة، الأولى تمت في عجالة بغية إصدار حكم حيال حالة اللغط التي صاحبت الإعلان عن الفائزة بجائزة البوكر عام ٢٠١٩، وبرغم التعجل في القراءة الأولى، إلا أنني خلصت منها بأحقية النبيذة بالفوز في البوكر على حساب بريد الليل، كما أن تلك القراءة العجولة، دفعتني لقراءة كل أعمال أنعام كجه جي السابقة، وصولاً مرة أخرى في نهاية المطاف، إلى النبيذة.
ملحمة روائية تتبع مصائر ثلاثة شخوص، في مساحة زمنية تزيد على ثمانية عقود، تاج الملوك، الصحفية العراقية إيرانية الأصل، ووديان، العازفة العراقية نصف الصماء، ومنصور البادي الصحفي الفلسطيني ومستشار الرئيس الفنزويلي، وقبل ذلك وبعده، الحب الأقدم والأبقى في حياة تاج الملوك.
تجمع المطارح الشخوص، وتتشابك مساراتهم، إلى أن ما جمعهم بالأساس كان تشابه الخسارات، فمنصور شهد اجتياح اليهود لمنزله في فلسطين وغادر داره يجر من خلفه ظلاً مهزومًا، ووديان فقدت حاسة السمع على يد واحد من أعتى سفراء السلطة والفساد، وتاج الملوك، التي شهدت قيام وانهيار أنظمة، خسرت كل شيء حتى باتت نبيذة بلا أوطان.
يتبادل الشخوص الثلاثة مقاليد السرد، مع صوت رابع يحرك الخيوط بحنكة واقتدار فيما بين فصول قصيرة تنهمر كشلال حكايات، مكونة وثيقة تاريخية سردية نسجتها الكاتبة بمغزل يجمع بين الواقعي والمتخيل، فنحن نتعرف على تاريخ العراق الملكي، ونجلس على طاولة نوري السعيد، ونسير في مظاهرات الطلبة الرافضة لمعاهدة بورتسموث، ونقف على قبر جعفر شقيق الجواهري، فيما يرثيه الأخ الأكبر:
أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ ... بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ
فَمٌّ ليس كالمَدعي قولةً... وليس كآخَرَ يَسترحِم
قبل أن نتوقف عن القراءة لوهلة، وندرك: ما أشبه اليوم بالبارحة!
نتجول مع تاجي برفقة ولي العهد في بهو قصره، ثم نعاين انهيار الملكية العراقية، ونشأة الجمهورية، فقيام وانهيار حزب البعث، نشهد على بدايات تكوّن دولة باكستان، نقترب من بن بلة في لحظات صعوده، ونقف على باب غرفته في المشفى الفرنسي في آونة احتضاره، ونجالس تشافيز مسجونًا، فزعيمًا ينتزع اعتراف العالم به.
وتاج الملوك هي البؤرة الذي تلتقي عندها كل شلال الخيط الفارغة، هي العامل المشترك المحرك للأحداث، فتاة متمردة تبحث عن ذاتها في مجتمع هو أشبه بقنبلة موقوتة، تنحاز إلى العراق الملكية فتؤسس جريدة ترأس تحريرها، ثم تتحول إلى مناصرة المظاهرات فينقلب الرضاء الملكي سخطًا تضطر على إثره إلى الالتحاق بإذاعة كراتشي، هناك حيث تلتقي منصور البادي، لتضوي سماؤها بشرارة أول عشق حقيقي، قبل أن تعود إلى طهران، لفترة قصيرة تنتقل بعدها إلى باريس، وفي أحشائها طفلها الأول.
تبتدئ فصول الرواية بتاج الملوك كهلة تناهز التسعين، تحمل على ظهرها المحني إرث ذكريات أمه بأكملها، شاهدة على عصور شهدت الكثير من التحولات، تختص جليستها وديان بأن تطلعها على صندوق ذكرياتها، فيما تجتر هي ماض لم يغب عن خاطرها، وتشتاق إلى وطن لم يفارقها، تتمدد فوق فراشها، وقد أدركت أن الهروب من الأوطان لا جدوى له طالما ظلت تلك الأوطان تطاردها، تستل من صندوقها المروية تلو الأخرى، تستعرض خطابات العشاق، وصور بالأسود والأبيض، ترسل خطابات إلى صدام حسين وتنتظر منه ردودًا، فيما جليستها غارقة في ميرات هزائمها الخاص، في وطن لفظها عازفة معطوبة السمع، دون ذنب أو جرم اقترفته، تقارن إحباطاتها العاطفية بدفاتر جليستها المحشوة بالغراميات، وتحسدها وقد ظلت محتفظة بحياة غادرتها هي منذ سنوات.
يظل العزف على أوتار اللقاء بين الحبيبين في تصاعد، يترقب القارئ لم الشمل بين تاجي ومنصور، بعدما طوى كل منهما عقودًا من الغياب، بيد ان الحياة لا تبرع في منح الفرص بقدر ما تسارع في لملمتها من على عتبات التردد، والقلوب ما سميت بالقلوب لغير تقلبها، والأوطان دأبت على نبذ عشاقها كشجرة غناء تلفظ ثمارها.
تاريخ من الهزائم والخسارت، دونته أنعام كجه جي ببراعة شديدة، مازجة بين خسارات الوطن وخسارات البشر، وكأن الهزيمة وشم طبع على جبائن العرب منذ الزفير الأول، مصير مقدور لا مفر منه، ننسحب أمام الهزيمة، نتسرب بين حدود البلدان، ولكن الأوطان لا تغادرنا، والتاريخ لا يقدر على محو الهزائم، بقدر ما يعمل إزميله لتوثيق آثارها.
يشترك ولدي كريم في مسابقة القراءة التابعة لوزارة التربية والتعليم، يعرف أن جائزتها الأولى مليون جنيه مصري، يجيء إلى غرفتي فرحًا، يقسم أنصبتنا من الجائزة، فيستهل قراراته بأن يبلغني باقتطاع المبلغ الذي يلزمني للسفر إلى بغداد، فأطرق مهمومًا، وأقول بأن الأوضاع لا تسمح في الوقت الراهن.
أنتهي من آخر صفحات النبيذة، فأحرر خصري من حزام الأمان، أبتسم، أنادي كريم، وأخبره بأنني قد عدت للتو من بغداد!
"تميط لثامي وأهبها كل الأسرار. كأنني أردتها شاهدة على حياتي قبل موتي. ينصبون شواهد على قبور الموتى. حجارة محفورة بعبارات قرآنية. أنصابًا متشابهة في أشكالها مهما تباينت العظام الراقدة تحتها. وسيشم من يقف على شاهدتي رائحة الحياة التي عشت، متقلبة ما بين القداسة والفجور. تفاصيل مغيبة أعاود الاحتفاء بها وأوقد لها أعواد البخور. أحتفي ببسالتي ولا أخجل من حقارتي. هذه أنا"
النبيذة - ص ٢٧
كتبت انعام كجه جي روايتها بلغة فريدة يصعب محاكاتها، مفردات ثرية وتعبيرات بكر وحروف تقطر ألمًا، مزخرفة ذلك كله بمفردات وأمثال وأغانٍ عراقية، حكاية عامرة بمرارة لا تخلو من خفة ظل طالما حضرت في كتباتها، عمل أدبي فريد، لا يُنسى، مرة أهرى؛ وثيقة تاريخية سردية يتوجب على كل عربي أن يحتفظ بها في موضع قريب في مكتبته.
لن أنسى هذه الرواية، ولن أنسى انعام كجه جي، التي تشبه معلمة الروضة التي تركتها خلفي في بغداد، لتواجه الحروب والدمار.
كلما طالعت وجهك يا ست انعام؛ أعود إلى بغداد التي لا تغادرني!
شكرًا Wardia Shamass
#محمد_سمير_ندا
#Samirreadsتاريخ النشر في المدونة: 2020-03-29