نورا ناجي وأطيافها... نداء لكاميليا القابعة خلف كل جدار!
في خلال ثلاث ساعات فقط، انتهيت من قراءة رواية "أطياف كاميليا" للروائية المصرية الشابة نورا ناجي، وهي الرواية الصادرة مؤخرًا عن دار الشروق في القاهرة. وقد كانت لدي بالفعل انطباعات إيجابية عن الكاتبة والرواية، قرأتُ لها من قبل رواية "بنات الباشا" ونالت إعجابي، علاوة على أن ذات الرواية كانت قد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية للمؤلف الشاب، وعليه تكوّن لديّ هذا الانطباع المسبق، ولكنني لم أتصور أن تستحوذ الرواية على وقتي بهذه الكثافة، ولكن هذا ما كان.
لا أحب تصنيف الروايات في العموم، ولا أحبذ وصف أعمال الكاتبات بالأدب النسوي، فالأدب وجد ليعكس الصور ويطرح القضايا، وقضية الكاتب حتمًا تفرزها تجاربه ومعايشته للقصص الواقعية في محيطه الخاص، لذلك فقد تأثرت نورا ناجي – كونها امرأة – بما تعاني منه كافة النساء في المجتمعات الشرقية، ومن هنا جاءت حكايتها: حكاية شديدة التماس مع الواقع، عن فتاة حرّة حد النخاع، متمردة إن لزم الأمر لتحقيق حريتها، ملعونة بجمالها كشأن الكثير من النسوة، تعاني لتمزيق القيود التي ولدت وقد التفت حول عنقها، تحول التسرب من أصفاد السيطرة الذكورية، ما بين سلطة الأب والشقيق، تقع أسيرة لسحر القاهرة، وتنخرط في أوساطها الثقافية والفنية، تعمل بالصحافة، حتى تقع في عشق رسام متزوج، فتتجلى المأساة في أقسى صورها، لتطرح الحكاية استفهامًا جريئًا -مشروعًا- عن حرية المرأة في امتلاك قرارها وجسدها على حد سواء.
تقول الكاتبة ماري وولستونكرافت، البريطانية التي ابتكرت مسمى "حقوق المرأة"، وعانت بدورها الكثير في حياتها القصيرة:
"إن أعراف وعادات الشعوب، لهي أشد قسوة على المرأة من القوانين، فهي تُدين وتُعاقب المرأة للحظة واحدة فقدت فيها طهارتها، رغم أن الرجال يبقون مظللين بصفات الاحترام، وواقع الأمر أنهم منغمسون -كُليًا- في الرذيلة".
من هنا تجيء الكارثة، فكاميليا قد انخرطت في عشق لفها بكل تفاصيله الحسية والجسدية، الأمر الذي أفضى إلى نقل ملكيتها قسريًا من الوصي الأول (الأب والشقيق)، إلى وصي ومالك جديد (الزوج)، وبرغم أن شخصية الزوج هنا تدفعك ربما للتعاطف معه لفرط هيامه بكاميليا، ولشخصيته المنطوية المهزومة، إلا أن هذا الرجل -العاشق- ذاته يعود ليمارس سطوته الذكورية، فيسبب لها مشكلات إضافية، قبل أن يضع على كاهلها القشة التي قصمت ظهرها للأبد.
تختفي كاميليا، تذوب في مرآتها في أول الأوراق، تتبخر وكأنهًا كانت نطفة من عدم، تتلاشى ولكن صوتها يظل حاضرًا كحكايتها، تغيب في جوف المرآة فيما هي راسخة الحضور، إذا أن لها أطياف عدة، وشبيهاتها ربما يتواجدن في كل بيت، بيد أن الكاتبة تعرض لنا هنا حكاية الطيف الأكثر تماسًّا مع كاميليا، وهي ابنة شقيقها، التي تسمت باسمها وورثت ملامحها، وطباعها، كاميليا أخرى تدور بها دوامة القهر الأنثوي، وتحلم بالهرب من عالم يسيج أحلامها ويئد أفكارها في المهود، كاميليا الصغيرة تستشرف الآتي عبر خواطر عمتها، تتفق معها في تمردها على الواقع، وتحاول تفادي العراقيل التي وُضعت في مسار العمة الهاربة، تشرع في كسر القضبان قبل أن تتشكل من حولها قفصًا شبيهًا بما حُبست فيه عمتها، فتجرب وتتعلم، تجابه ولا تنسحب، حتى وإن جاءت مواجهتها في صورة ستار من الصمت تسدله من حولها ليعزلها ، وربما ليحميها مما تقذف به من كلمات واتهامات، تنجذب إلى ذات المرآة، فتتوهم العشق كسبيل نجاة، ونافذة مشرعة على الهروب المأمول، إلا أنها تتروى وتراجع حساباتها بالتوازي مع خواطر عمتها التي تكشّف لها في النهايات زيف الحب الأول، وقد ذابت في عينيها ملامح حبيبٍ ضحت لأجل غرامه بكل شيء.
تنجح كاميليا الصغيرة في رسم مسارها الخاص، تنجذب بدورها إلى حياة العاصمة، تفرض وجودها وحضورها على الكافة، تحقق ذاتها من خلال الدراسة والعمل، ولكنها تتعثر على صعيد الغرام، فلا تستقر على عشق تأمن به وتسكن إليه، وإن تركت الرواية بابًا مشرعًا على احتمالات عدة، تترك لكل قارئ نسج الصورة التي تناسبه، لذلك فإنني ربما أرى أن الرجل الشرقي يجد صعوبة في تقبل العيش مع امرأة حرة، قد ينجذب إليها وربما يطاردها لأغراض باتت معلومة، إلا أنه يجنح في الغالب إلى الحلول الآمنة، إذ تتمثل في امرأة خانعة مستكينة، تقبل بمواثيق الحكم الذكوري.
جاء النص شديد السلاسة، لغته هادئة وبسيطة دون تكلف، يتبادل الرواة منصات السرد، فيلقي كل منهم بشلة خيط تنساب مع مسار الأحداث الرئيسي، تختلط الخيوط وتتشابك دون أن يسبب ذلك أي عقبات للمتلقي، يتبين لنا من خلال تتبع الخيوط كيفية تلقي الآخر لحرية كاميليا، وكيف تثير تلك الروح المتمردة حقدهم وتشتل في قلوبهم الغيرة، فنرى الأخ وقد تمنى أن ينال مكانة كاميليا بيد أنه لم يمتلك الإرادة الكاملة، ونشاهد زوجة الأخ وقد أزعجها أن تنال كاميليا حرية لم تحظ هي بها، ولا تقدر حتى على تصورها، نتابع حكاية زوج مضى في سبيل ما يحب، دون أن ينتبه لم تحبه كاميليا وتصبو إليه منذ البداية.
تتلاقي الخيوط في النهاية عبر ذلك التبادل المحكم الذي لا يستوقف القارئ ولا يعرقل انسيابية قراءته للنص، فيمضي مع الصفحات متنقلاً بين عدة منصات، أولها الراوي العليم، ثم صوت كاميليا (العمة الغائبة) من خلال خواطرها، وصوت الأب، والأم، فصوت الزوج العاشق المهجور، حتى أنني كنتُ لأستحسن الأمر إذا ما تركت الكاتبة مساحة إضافية لكاميليا (الصغيرة) تعبر عن ذاتها من خلالها، ولو عبر مونولوجات متفرقة، عوضًا عن استئثار الراوي العليم بالحديث عنها، ووصف مشاعرها، وكيفية تقلبها، وتطور وعيها تدريجيًا.
جذبتني الحبكة الأساسية للنص منذ أول الصفحات، إذ طالما استحوذت عليّ النصوص التي تدور حول شخصية غائبة، فيما هي حاضرة طيلة الوقت بين السطور وفوق شفاه الرواة، هكذا أسرني نص نورا ناجي واستحوذ عليّ لثلاث ساعات، ربما أزعجني قصر النص، وقد رأيتُ أن مساحة الرؤية المتاحة من خلال أحداثه وحبكته ربما كانت تتسع للمزيد من الحكايات والأصوات، إلا أن الرسالة في النهاية جاءت واضحة، والصرخة مدوية، مخطئ من يظنها دعوة إلى التمرد كفعل من أفعال الثورة على أحكام المجتمع، إذ هي في واقع الأمر: دعوة لمراجعة الحقوق الطبيعية للإنسان، وأولها حرية تقرير المصير، دون تصنيف تتباين من خلاله الحقوق ما بين ذكر وأنثى، دعوة للأنثى بأن تصر على حقها في اختيار المسارات وتحقيق الذات. تهمس الحكاية في أذن القارئات قبل القراء: يتوجب على الأنثى أن تنصت إلى إحساسها، أن تتبع فطرتها، دون تغليب خالص للقلب، أو تغييب تام للعقل، أو تجريف للفطرة.
روائية مصرية أخرى مُجيدة، قلمها يقطر بأحاسيس يمس القارئ صدقها، تنضم إلى قائمة كاتبات مصريات شابات أعجبت كثيرًا بكتاباتهن، أذكر منهن -ممن قرأت أعمالهن- أريج جمال، ونهلة كرم، وغادة العبسي، واليوم أضيف: نورا ناجي.
عمل يستحق -بكل تأكيد- القراءة، أتمنى أن تُفرد له مساحات نقدية من متخصصين في الأدب، فهم أقدر مني على وصف مواطن الجمال في هذا النص.
#محمد_سمير_ندا
#Samirreadsتاريخ النشر في المدونة: 2020-03-30