لوكانده ناصر عراق… الغرام في مواجهة الحاكم…

حاكم ظالم، ينثر الكآبة في ربوع الوطن، يمر بظله الثقيل بين الأزقة فيشتل من خلفه البؤس والحَزَن، سلطان غارق في يم من الهواجس والوساوس، يستشعر الخطر ويتصوره وقد أطل من كافة الأحداق وتجسد في كل الظلال، فالخطر حاضر وإن كان خفيًّا، خلف الستائر وأسفل الموائد ووراء الأبواب الموصدة، وفي صحون الطعام!
ومواطن مقهور مغلوب على أمره، يتجرأ على الحاكم وينال من سلطانه، إذ يهرب من قصره بعدما ضجر من الخطر الدائم الحوّام فوق رأسه، مواطن مصري قُدّر له أن يعين في قصر الوالي، وقد تلخص عمله في أن يغدو كبش فداء، يتذوق الطعام قبل أن يستقر في جوف سلطانه، لعل الخصوم والأعداء قد دسوا له السم، إلا أن السلطان لا يستقيم أن يموت بالسم، فهو الحاكم الواحد الأوحد الذي لا بديل له ولا شريك، فيما المواطن لا يمثل سوى مجرد نسخة مكرورة من ملايين تشبهه ويشبهها، لن يلتفت أحد لحياته ومماته، فهو مجرد رقم في سجلات الولاة، هكذا عاش، وهكذا ينبغي أن يظل.
كيف يكون الحال إذا ما تواجه الوالي والمواطن الفلاح البسيط؟ هذا ما نعرفه من أحداث الحكاية، فالوالي بكل عدته وعتاده ورجاله ينغمس في بحث محموم عن الفلاح الهارب، والهارب لا يملك غير غريزة فطرية تصبو إلى النجاة، وعشق يتعاظم مزينًا شرفات الحياة، ويمنحها أهم مسبباتها، وطبيب إنجليزي يتعاطف مع الحكاية، فيمنحه المخبأ والملاذ.
نستمع إلى الحكاية فيما تتلوها أربعة أصوات تتبادل منصة الراوي، أولها عليوة، الفلاح الهارب المأزوم، الحاضر في كل الأزمنة، والباقي في أزقة المحروسة حتى يومنا هذا، والطبيب الإنجليزي النبيل الذي يضع نفسه وأسرته في مركز الخطر عبر إيواء عليوة، وزوجة الطبيب التي تبنت وإياه طفلة مصرية حتى كبرت وباتت صبية مليحة تقع في غرام عليوة، وأخيرًا بدر الدين، الرجل الفاشل الغيور، الذي يفتش الأرض بحثًا عن أثرٍ لعليوة، طمعًا في مكافأة سلطان البلاد.
يعود بنا المؤلف إلى زمن الخديوي عباس حلمي، ويروي قصته المشوقة، فيتعاطف القارئ مع المظلوم، ويتحمس لنبتة الغرام إذ تنمو وتتشعب أفرعها في صدور العشاق، قبل أن يلحظ القارئ أن أقدار المصريين تظل متشابهة عبر مئات السنين، فما أشبه الليلة بالبارحة، فالمقهور باقٍ حتى الساعة، والغرام لم يصبح يومًا مباحًا، بدر الدين بعده يسير في الطرقات رفقة العسس والوشاة، والجريمة حاضرة في أذهان الناس، وحق الحياة وتقرير المصير بعده مسلوب من الأغلبية.
يمنحنا الكاتب نهاية مثالية، يتدخل فيها القدر لنصرة العشق، ليرسم على الوجوه بسمة أمل، إذ تنتهي فصول الرواية بمقتل عباس حلمي، وتولي الخديوي سعيد مقاليد الحكم، لتنتهي -ربما- أزمة عليوة، ولكن الفصول إذا ما قدر لها الاستمرار والتوالي، لكنا قد شهدنا أشباه كثر لعليوة، يعانون من ذات القهر، إذ أن تغير الحكام لا يغير بالضرورة من مصائر المحكومين.
عمل مشوق، بذل فيه الكاتب جهدًا محمودًا في البحث والتقصي، ليمنح النص مصداقية دامغة، وتفردًا في تناول حقبة زمنية هجرتها أغلب الأقلام، لغة شاعرية وشخصيات متماسكة، وحبكة مناسبة للحكاية.
عمل يستحق القراءة، ينقل القارئ إلى زمن لم يتعرف على مفرداته من قبل.
شكرا للكاتب الكبير ناصر عراق
#محمد_سمير_ندا #Samirreadsتاريخ النشر في المدونة: 2020-04-04