محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

الراويات لمها حسن… الكتابة كمرادف للتحرر

في روايتها التي بلغت القائمة الطويلة لجائزة بوكر عام ٢٠١٤، تقدم الروائية السورية مها حسن تجربة سردية مميزة، تقدم من خلالها الروي كذروة المتع الحياتية، عبر سلسلة حكايات متصلة ومنفصلة، تولد الواحدة من رحم الأخرى. قد يظن القارئ في البداية أنه أمام نص يقدم روايات منفصلة لراويات مختلفات، تدور حول ذات الموضوع، إلا أنه -وبتوالي الفصول- يلمس بين الأسطر خيطًا رفيًعا، هو بمثابة حبل سري خفي، يصل بين كل حكاية وحكاية.

نص أدبي ممتع، يذكرني - إن جاز التشبيه - بعلب الهدايا التي ما أن تفتحها حتى تفاجأ بعلبة أخرى داخلها، ثم علبة أصغر فأصغر، وهكذا دواليك، حتى تنتهي من النص، ليكون الاكتشاف هو هديتك الكبرى!

أجادت الكاتبة كثيرًا في الروايتين الأولى والثانية، إذ خلقت عوالمها وشيدتهما بمنأى عن عنصري الزمان والمكان، موهت الأسماء وطمرت ملامح الوجوه، فمنحت الحكايتين سحرًا خاصًا، شبيه بسحر حكايات ألف ليلة. نعيش في الرواية الأولى حكاية راوية تعيش على هوامش الحياة، فيما هي متخمة بالحكايات، ترتع في عوالمها شخوص خيالية تقاسمها كل مفردات العيش، تضج رأسها بالقصص، حتى تلتقي بشخص غامض يشجعها على أن تفرغ هواجسها وخيالاتها فوق الورق، ترسم الفتاة عوالمها، وترضخ للسلب، فتشهر راية استسلامها، وقد بلغت ذروة الانتشاء والاكتفاء بأن حررت شخوصها، ومنحتهم حياة خالدة بين أوراقها، مؤمنة بسطوة الحكاية على الزمن، بما يمنح شخوص الحكاية عمرًا أطول من كاتبتها.

في الرواية الثانية، نعيش نفس الأجواء الشهرزادية، عبر راوية أخرى تستعذب حياة العزلة، وتعيش على ميراث من الفقد ومخزون حكايات لا ينضب، وكما كان حال الراوية الأولى، ترتضي الراوية الثانية بالعيش في الظل، وقد وجدت نشوتها في معايشة شخوص لا يتوقفون عن التجوال في ردهات عقلها، وفوق تلال أوراقها التي تكدسها دون أن تكلف نفسها عناء العودة إليها فيما بعد، بغية التنقيح والترتيب، الكتابة هنا فعل تحرر، تحرر من طنين الأطياف وإلحاحهم على خواطرها، تحرر من سياج تحيط بعالمها الصغير، تحرر عبر البوح وتفريغ المختزن من الشكاوى والصور القاتمة، وصولاً إلى تحقيق النشوة الخالصة، تتشابك شعاب الرواية مع ذات الروائي الزائف المتسرب من أوراق الحكاية الأولى، فتختلط المصائر، وتحيد المسارات صوب وجهات مغايرة.

ثم تأتي الحكاية الثالثة، أو النص الثالث في متون هذه الرواية، لتتخلى الكاتبة عن المنهج الذي منح نصيها الأولين نفحة من سحر شهرزاد، فتقيد نصها بحدود الزمان والمكان، بعدما منحت نصيها السابقين حرية استعذبتها كثيرًا كقارئ، فالمكان والزمان هنا يفرضان سطوتهما على النص، عبر تقييد العبارات وتكبيل جناحي الخيال دون داع، وقد حلقا في النصين السابقين دون أن ينهكمها السرد أو الترحال، يمتد ذات الحبل السري الواهن عبر الحكايتين الأولى والثانية، ليقدم لنا بطلة الرواية الثالثة، كنتاج للحكايتين السابقتين، بدرجات متفاوتة.
الراوية الثالثة هنا تظهر مكبلة بالتاريخ والجغرافيا، محددة بخطوط سير تحددها الكاتبة، ما بين كندا وباريس وصولاً إلى القاهرة، في لحظة توثق فيها وصول فصيل الإخوان إلى سدة عرش مصر، لتستشرف مستقبل الثورة المصرية بصورة أحبطتني كأي مصري حمل على عاتقه حلمًا ظنه في الإمكان، ثم شهد على تحول ذات الحلم إلى كابوس ثقيل أنهك كاهليه، وصولاً إلى موارة الحلم ثرى الواقع. الكاتبة هنا ظهرت واثقة في مسار الثورة المصرية ومآلها، ومنحت القارئ نبوءة حالمة شديدة الوهن، إلا أن السرد لا يتوقف عند تلك النبوءة، حيث تتلقى الراوية نبوءة أخرى تحملها إلى باريس، لتنشيء رفقة فصيل من نساء مسكونات بالحكي، عالمًا خياليًا موازيًا، يتحررن فيه من حكاياتهن، ويتخففن من هواجسهن، تحقيقًا للنشوة الكاملة.

نص ممتع في المجمل، مختلف، شديد التميز من حيث البناء والسرد، شهرزادي الأجواء في الحكايتين الأولى والثانية، حين امتزج الواقع بالخيال في بناء محكم شيدته الكاتبة ببراعة على زمان ومكان مسطحين لا أبعاد لهما، ولكن ذات النص يعود ليغرق في واقعية مقبضة في الحكاية الأخيرة، بحيث يلقي حضور الزمان بظلاله على الحكايتين السابقتين، بما يحيل القارئ -ربما- إلى استنتاج عنصري الزمان والمكان فيهما، وهو أمر - من وجهة نظري - يجهض ما شيده الخيال لقرابة مائة وثلاثين صفحة من النص.

في المجمل، أحببت الرواية كثيرًا، واجتذبتني عوالمها بوجه عام، أعجبتني كثيرًا طريقة الكاتبة في صهر الواقع بالخيال، وخلق حالة من التشابك بين الواقعي والمتخيل، من حيث الأصوات والأمكنة والأسماء، سمعت صرخات النساء التواقات إلى البوح، تمامًا كما سمعت همساتهن في نوبات الحلم، ركضت خلف كل راوية بهدف الإطلاع على مخزونها من الحكايات، وجلست أسفل أقدامهن، مستمتعًا بالحكي إذ يقولب كمرادف للتحرر.
عمل ممتع، بُذل فيه جهد محمود، لكاتبة مبدعة تفرض حضورها بين أبناء وبنات جيلها. شخصيًا لا أحب مسمى الكتابة النسوية، وإحالة كتابة المرأة إلى روح الأنثى التي تحكم عتبات النص وتفاصيله، وبرغم أننا أمام نص تحكم عوالمه النساء، حتى ينضح بشكواهن وهواجسهن ونوبات بوحهن، إلا أنني أؤمن -فقط- بنوعين للكتابة، كتابة صدق، وكتابة إدعاء، والحقيقة أن المنتج الإبداعي لمها حسن - وهذه هي الرواية الثالثة التي أقرأها لها - شديد الصدق والتميز.

تحياتي للكاتبة

محمدسميرندا

تاريخ النشر في المدونة: 2020-04-17

المصدر الأصلي على ووردبريس