محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

أهل الهوى لهدى بركات... عقول قصفتها الحروب، وضبابية تعطل متعة المتلقي!

عبر بداية أخاذة، تستهل هدى بركات روايتها "أهل الهوى" بجريمة قتل، لتشرع بوابات الخيال أمام القارئ، معبدة له الطريق نحو رواية عامرة بالأحداث، خصوصًا وقد جاء عنوان الرواية حاملاَ وعودَا (خادعة) بحكاية عن الهوى، إلا أن الرواية، وبتوالي الصفحات والفصول، تعارض عنوانها واستهلالها، فتقدم حالة فريدة عن عقل أنهكته الحروب، الخاصة والعامة، عقل تداعت كل جدرانه وسقطت كل دفاعاته دون أن يخوض حربًا حقيقية واحدة، فالحروب هنا تندلع في مخيلة السارد الأوحد للأحداث، حرب وجود، وحرب عشق هو أقرب إلى التملك والاستحواذ.

لا تقدم لنا بركات الكثير عن تاريخ السارد، فالخلفيات كلها تستقر خلف سُتر من ضباب زماني كثيف، كانت تلك هي مشكلتي الأولى مع النص، فلكي أتعاطى شخصية السادة، كقارئ، يلزمني الاطلاع على النزر اليسير من ماضيه ودوافعه والمسارات التي سلكها فانتهت به إلى دير الصليب، ولو عبر شذرات متباعدة لا تخل بنسق البناء في الرواية، وعليه؛ انتزعت الكاتبة من السارد شيئَا من مصداقيته، وتركته عاريًا بين يدي القارئ ليوظفه ويقولبه كيفما ارتأى وأراد، فبهذه الضبابية – التي وجدتها غير ضرورية- يتمادى القارئ في شكوكه حتى يُكذب -ربما- القصة برمتها، وهو أمر لا أعتقد أن الكاتبة قصدته!

ولكن، لسنا أمام نص رديء في النهاية، فاللغة والأسلوب القوي وقفا على النقيض من الحبكة الغائبة، اللغة أعجبتني كثيرًا، كثيفة من حيث التشبيهات والتعابير اللافتة، خصوصًا في المشاهد التي توثق الحس المرهف للسارد في تفاعله مع المخلوقات والجماد على حد سواء، الحقيقة أن النص صالح جدًا لأن نستقطع منه مقتطفات أو Quotes كثيرة ومتميزة، القوة اللغوية التي تحدثت عنها، كانت حاضرة كذلك في توصيف الحالة العقلية للسارد، فالقارئ يشعر طوال الوقت وكأنه يطالع بالفعل أوراق شخص مجنون، مختل، في هذا الصدد تحديدًا أبدعت بركات في وضع النص في الإطار المناسب لحالة السارد العقلية، أو اعتلاله النفسي، دون أن يؤثر نسق القص بالتوازي على فترات زمنية متباعدة، أو السرد العكسي للأحداث، بالسلب على إحكامها على أجواء الفضاء العقلي لشخصية السارد، الذي هو الشخصية الوحيدة في هذا النص الروائي، ولكن، هذه الحرفية في توصيف حالة السارد، أحالتني مرة أخرى إلى شعور لم يفارقني منذ الفصول الأولى، بأن هناك شيئًا منقوصًا! تغلّب لدي الشك في رواية السارد على رغبتي كقارئ في تصديق الحكاية، نظرًا – كما أشرت- لغياب الدوافع وطمس الخلفية النفسية للبطل عبر التجاوز عن فترات عمرية غنية من حياته، كانت الإِشارة إليها كفيلة بوضع الأمور في نصابها، خصوصًا وقد كان جليًا أن اعتلال السارد النفسي، لم يبدأ بواقعة اختطافه في خضم الحرب الأهلية، وإن كان الأمر قد ضاعف من تشتته. كان من الضروري إلقاء الضوء على ما ترسب في عقل السارد لينتج عنه كل هذا العنف والتناقض تجاه معشوقته، ذلك إن كانت موجودة من الأساس! كذلك؛ جاء تهميش الشخوص الموزاية للسارد، والحرص على وضعها طيلة الوقت وراء ظله كثيف الحضور، ليضفي على النص بالمزيد من الضبابية. ضبابية لم استحسنها في واقع الأمر.

لا يفوتني هنا أن أستحضر رواية أخرى ناقشت التأثير النفسي للحرب الأهلية اللبنانية على معاصريها، وربما تماسّت في عدة نقاط مع رواية أهل الهوى، حتى في استخدام تكنيك القص المتوازي بين زمانين مغايرين، وتفكيك زمان السرد ونثره بين الفصول، وصولاً إلى صورة مكتملة للحدث والشخوص، وأقصد هنا رواية مستر نون لنجوى بركات، التي تناولت هذه المسألة بشكل عميق وفلسفي شديد التميز، سواء من حيث الحبكة، أو البناء السردي للشخوص والأحداث.

في النهاية، رواية متميزة لغويًا، وإن كانت اللغة الجيدة لا تصنع -وحدها- رواية جيدة، أجادت الكاتبة في توصيف حالة السارد العقلية، وتناولت نتاج الحرب الأهلية دون الخوض في مشاهدها ومآسيها، غير أن النص جاء غارقًا في ضبابية كثيفة، عطلت -وربما أبطلت- متعة المتلقي.

للمزيد من القراءات السابقة
https://wordpress.com/view/mohamedsamirnada.wordpress.com

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2020-05-31

المصدر الأصلي على ووردبريس