محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

وطن منى الشيمي، وترنح الهوية في الجيب الخلفي!

جاءت قراءتي الثالثة للروايات الفائزة بجائزة كتارا - فئة الروايات غير المنشورة مختلفة عما سبق لي قراءته، فالرواية هذه المرة مصرية حتى النخاع، تعبد الطريق أمام استقبال سيل من استفهامات لا ينقطع، وتستدعي ميراث الألم والقهر المتوارث، المسكوت عنه؛ طواعية وقسرًا.

في روايتها الفائزة بالجائزة عام 2017، وطن الجيب الخلفي، تقدم الروائية المصرية (جدًا) منى الشيمي، كرويات تتوالد! فالحكاية تلد حكاية أخرى! إذ تنسج بمغزلها حكاية مضفورة بحكاية، وواقع مشتبك بالماضي، يُعبِّر بطريقتها السردية الخاصة عن ترنح الهوية المصرية في العقود الأخيرة، كناتج طبيعي لعقود من التهميش والاستهانة والتنكيل، مطلقة صرخة مدوية، ودعوة مفتوحة للكافة؛ ألا يحتفظوا بالتاريخ وراء ظهورهم، حتى لا يظل عرضة للنهب، والسرقة والتزييف.

هي حكاية عن شاب بارع في الخيانات، استقبلته القاهرة بشظف تجيد توزيع أنصبته على الناس، قبل أن يعثر على كيفية التسرب من عالمه العامر بالخسارات، إلى وطن بديل يحقق له الشعور بكينونته. يتورط الشاب فلا يستفهم، يزداد تورطه وانغماسه في أمور تحيّره فلا يعترض، فما مبرر الاعتراضات إن كانت هويته مترنحة لا تستقر على بوصلة واحدة من شأنها تفنيد الاتجاهات؟

يسرد الشاب الحكاية بضمير المتكلم، إلا أن ساردًا ثانيًا يحضر في متون الحكاية، ويقف على عتبات الفصول؛ صوت المخاطب الذي لا يفارقه، وكأنه يجسد صوت ضميرٍ يستدعي كل الأسئلة المهملة، ويجدد كشوف الحساب أولاً بأول، دون أن يكون فاعلاً حقيقيًا في أي مرحلة، فقط يظل هائمًا بين السطور كجسد بلا مفاصل، يذكّر ويفسر ويحذر، ولا يقدر على تغيير المسارات. أحببت التكنيك السردي للكاتبة، واستحسنت كثيرًا الدمج بين الضميرين في وجدان السارد، وأرى أنه هذا التنويع السردي كان أحد أهم عناصر القوة لهذا النص.

يجد البطل نفسه مرة أخرى متورطًا -من خلال المنظمة التي ينتمي لها في ألمانيا ويفترض بها الاهتمام بشئون ترميم الآثار- في صياغة فيلم ديكودرامي تجري تحضيراته في أسوان، وهو ما يعني دمج التوثيق التسجيلي بالدراما التمثيلية، وتدريجيًا تتكشف له حقيقة ما يتم إعداده من تزييف للتاريخ، بما يمنح اليهود مظلمة تاريخية مضت على أحداثها عشرات القرون، ويسطر صفحة جديدة في سجلاتهم، تدور كالعادة حول الاضطهاد والإقصاء والتنكيل، ورغم أنه يعرف أن المكتوب يحرف المنقول في البرديات القديمة، وأن التحريف يغير من وجه الحكاية، فإنه يواصل الدور الذي طلب منه، دون اعتراض حقيقي قد يفضي إلى ثمة تراجع عن الأمر برمته، وإن أرادت الكاتبة أن تمنح القارئ بصيص أملٍ قرب الخواتيم، إلا أنه -هذا الأمل- قد جاء محملاً بشكوك اكتسبها القارئ من سوابق الصفحات.

ومن خلال هذه الحكاية الأصلية، تنقلنا الكاتبة بحرفية إلى الحكاية الثانية، عبر قراءة فصول النص الديكودرامي المكتوب، ورغم أن القارئ قد يميل إلى فصول الحكاية الأولى عن الثانية، نظرًا لصعوبة الأسماء الفرعونية في الحكاية الثانية، والتي جاءت كثيفة في حضورها علاوة على ورودها في صيغة ثنائية وثلاثية في بعض الأحيان، إلا أن الحكاية الثانية ولدت مبهرة عامرة بالأحداث التاريخية، إذ نقلت مزيجًا سرديًا من القص التوراتي، والتاريخ المصري الـمُسقط من كتب المدارس لحساب العروبة الناصرية، دون أن تسقط الكاتبة في فخ التقريرية أو المعلوماتية، وهو أمر استحسنته كثيرًا، علاوة على تقديري لما لمسته من جهد بحثي عظيم لابد وأنه قد استلزم فترة زمنية طويلة أمضتها الكاتبة في البحث والتحري والتوثيق.

ثمة حكاية ثالثة تسري بضفاف الحكايتين المضفورتين، وهي حكاية الأرملة الهائمة التي يلتقي بها البطل على مقربة من مقر إقامته الفندقية، امرأة أخرى كسيرة، محملة برصيد مُضنٍ من الهزائم، تمرر الأيام بين صفحات الكتب، أو في نوبات تأمل وشرود تقف بها على شفا الانتحار، تتوطد علاقتها بالبطل الذي يؤطرها في صورة ملاذ أخير يستعيد من خلاله أمانه المنثور على عتبات الشتات، يقترب منها ويشعر بألفة متنامية تجاهها، إلا أنه يمارس معها سلوكًا طالما أجاده وبرع في الإتيان به بخفة وتلقائية؛ الخيانة، مرة أخرى!

لا يمكن أن أنهي حديثي دون أن تستوقفني دلالية الأسماء، وأخص هنا البطل الذي منحته الكاتبة اسم "ناصر"، والأرملة المهزومة "حياة"، وعلاقتهما التي لم تفرز سوى المزيد من الرصيد المختزن لدى الطرفين، الخيانة لدى "ناصر"، والخسارة لدى "حياة". أردت فقط أذكر تلك الملحوظة دون أن أجرُّ النص برمته إلى الجدلية الناصرية والعروبية، كي لا أُحيد قطار السرد عن قضبان الحكاية، ومن ثم؛ طمر أصالة النص وجودته لحساب الاختلافات السياسية والأيدولوجية.

في الحكاية الثانية أحداث تُختتم بثورة مصرية على الفرس بقيادة قد-بوني، وفي الحكاية الأولى ركام ثورة اشتعلت وانطفأت دون أن تُحدث أي تأثير على "ناصر"، أو على "حياة"، توقعت المزيد من الإحالات بين الثورتين، خصوصًا وأن أحداث الحكاية الأولى تجري في نهايات عام 2013، توقعتُ أن تفسح الكاتبة مساحة نقدية-بخلاف إبراز مظاهر الفساد- لتوضيح مصير الثورات الحديثة التي لم تعرف لها قائدًا يحدد المسارات، ولكن هذا لم يحدث.

في النهاية، نص متميز، باحت الكاتبة لصفحاته بخوالجها، وأودعت صفحاته ما اختزنته في وجدانها من الصرخات: صرخة استغاثة لمن ينشد إلى التغيير سبيلاً، والتغيير هنا مستقره العقول، لا الوجوه والأسماء، صرخة تحذر من ضياع الهوية وتجريف الملامح المصرية وتزييف التاريخ، صرخة تدعو الأجيال القادمة إلى مطالعة الماضي، والتعرف على ملامحه، قبل أن يختزلوا أوطانهم في بطاقات تعريف، وهويات الكترونية، تستقر في جيوبهم الخلفية!

شكرًا منى الشيمي، وشكرًا لجائزة كتارا على نشرها لنص أشك أنه كان لينشر في وطن الكاتبة.

للمزيد من لقراءات السابقة:

https://mohamedsamirnada.wordpress.com/

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2020-06-09

المصدر الأصلي على ووردبريس