محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

طوق الطهارة لمحمد حسن علوان... سرد شعري مكثف، يعطل انسيابية الحكاية!

في قراءتي الأولى لأعمال الكاتب السعودي محمد حسن علوان، الفائز بجائزة البوكر العربية عن روايته الأشهر "موت صغير"، جاءت "طوق الطهارة" لتكون تجربة جديدة كونها الاستكشاف الأول لعوالم الكاتب الروائية، ورحلة مختلفة انتهيت منها مستخلصًا عدة نتائج متباينة.

لعلني أحبذ البدء بالتوقف عند إيجابيات الرواية، وأنا أود هنا أن اختص عنصر اللغة، فلغة علوان شعرية، قوية الحضور، كثيفة في صورها وتشبيهاتها واستعاراتها، مفرداتها بكر تنهمر كغيث شتوي ثقيل، لغة شديدة التميز حتى أكون منصفًا، فالرواية حافلة بتعابير وتركيبات فريدة. أعتقد أن هواة الاقتباسات حتمًا سيجدون ضالتهم بين صفحات هذه الرواية، فلا يمكن أن تمر صفحة أو صفحتين دون أن تستوقف القارئ عبارة تصلح للاقتباس لفرط عذوبتها، وتفردها.
كذلك فإن تكنيك السرد من خلال عمليات فلاش باك متتالية جاء موفقًا ومناسبًا لإطار الحكي، رغم بعض النقاط السلبية التي سآتي لذكرها لاحقًا.

باختصار شديد يجنب قارئ هذه الكلمات الاطلاع على كامل تفاصيل الرواية، ومن ثم حرق أحداثها، نحن أمام حكاية كلاسيكية نوعًا ما، تدور حول معارضة العادات لحرية الغرام، وفصل التقاليد بين عاشقين وقّع قلبيهما مواثيق الهوى؛ شاب سعودي مأزوم، مشروخ الفؤاد، يعاني عددًا من الخسارات العاطفية، أهمها آخر تجاربه التي كادت تكلل بالزواج الرسمي، يعرض الكاتب خلفية وافية عن طفولة البطل، ملقيًا الضوء على عدة حوادث تركت أثرًا غائرًا في تكوينه النفسي، وما آلت إليه أموره فيما بعد. تبتدئ الأوراق بتلقي الكاتب كتابًا مطبوعًا يضم خواطره العاطفية، والتي سبق له نشرها على أحد المواقع، تدفعه مفاجأة استلام كتاب يحمل اسمه دون أن يعرف عنه أي شيء، إلى استرجاع ماضيه، ليصطحب القارئ في رحلة سردية شعرية، تتكشف من خلالها حياة السارد، وفصول حكايته، التي أبت العادات المجتمعية والتقاليد القبلية أن تمنحها نهاية سعيدة في أي من فصولها.

وبخلاف اللغة اللافتة، استوقفتني ملاحظتين أساسيتين حول العمل كرواية، لا كقصيدة نثر جاءت في ٢٧٠ صفحة:
١. أول هذه الأمور، هو التطور القيصري للأحداث إن جاز التعبير، فوتيرة الأحداث هنا بطيئة حد الملل، وفي هذا الصدد أعتقد -كقارئ- أن الإسهاب في السرد الشعري الكثيف قد أخذ الكاتب بعيدًا عن الخط التصاعدي للحدث، حنى أنني ظننتُ لفترة غير قصيرة أن الكاتب قد انغمس -كليًا- في نوبات شرود متقطعة فيما يكتب روايته، الأمر الذي أفقده بوصلة الروائي، حتى أن الكشف عن السبب المحوري الرئيسي لأزمة البطل النفسية، جاء في الصفحة ١٤٠، بما يعني أن التمهيد لإماطة اللثام عن لب الحكاية ومحور حبكتها، قد استلزم ما يجاوز من الرواية نصفها!

٢. الأمر الثاني والأهم، هو انتفاء القدرة على التعاطف مع البطل! نحن هنا أمام شخص نزق، مدلل، مرفه، لا يعرف المسؤولية، لا حدود لديه تكبح غرائزه أو تعطل شهوانه، ولا ثقافة تشذب لديه أسوار العقل، ينخرط في مغامرات ونزوات وحكايات يستكشف من خلالها أطوار العشق والهوى، وهو في التاسعة والعشرين من العمر، لا يعمل، رصيده في الحياة يتلخص في كونه ثري بالوراثة، يجمع في لائحة مضاجعاته ثلاثين امرأة خبر أجسادهن عبر صولات وفتوحات سريرية بدأها وهو في الخامسة عشر، علاوة على رصيد موازٍ من الرحلات السياحية إلى بيروت ودبي. خلاف ذلك لا شيء! لم أستطع التعاطف مع شخصية السارد، فهذا الشاب الناقم على الرياض، الرافض للعادات المجتمعية المقيدة للحريات والمحرمة للمشاعر (وأنا أتفق معه هنا)، تكلل قصته بالزواج، أو تكاد، فيما هو عاطل عن العمل، لا يمانع في العيش كنبات طفيلي يتغذى على ثروة أبيه، لذلك فهو في واقع الأمر عالة، عالة على أبيه، وعالة على الرياض كشخص غير منتج! وحتى حين يلتجئ إلى وظيفة يُغرق في ساعات دوامها أحزانه، ليشتت ذهنه بعيدًا عن مواضع الألم؛ يعين في أحد البنوك إثر وساطة من أبيه، دون أن يمتلك أدنى درجات الكفاءة!
ربما استوقفتني الملاحظة الأخيرة كرجل أربعيني عامل، لذلك؛ فإن ذات الملاحظة قد تغيب عن أذهان القراء دون العشرين، وعلى النقيض، قد تستحسن تلك الفئة مغامرات السارد الجنسية، ونمط حياته المفرغ من أدنى درجات المسؤولية.
ربما لم أتعاطف مع البطل، ولكنني أحببت شخصية الأب، وأعجبني الطبيب النفسي، ولكنني توقفت بالاعتراض أمام صورة المرأة المنعكسة في أحداث الرواية، ما بين الانسحاق والانهزام والانفلات الأخلاقي وتسول الزواج، والنبذ لمن تجرؤ على التدخل في مسار حياتها!
في صفحة ٢٠٢ و٢٠٣ تحديدًا؛ هناك محاورة تتضمن رغبة ضمنية في تقزيم المرأة وتهميشها، ومحاولة اختزال النساء جميعًا في صورة المرأة المطواعة "العادية" من وجهة نظر السارد وصديقه.

نهاية، أشعر بالأسف لثقتي بأن الرواية كان من الممكن أن تخرج في صورة أفضل كثيرًا مما بين يدي، فالكاتب متمكن من اللغة إلى حد بعيد، يكتب وكأنه ينظم الشعر، والحبكة على شيوعها طيّعة تحتمل المزيد من التناول والتأويل النفسي. إلا أن الأسهاب في السرد الشعري عطل الحكاية كثيرًا، وأنهك انسيابية الأحداث، بما لم يصب في مصلحة النص كرواية، علاوة على أن هذا النص، ربما استحق ساردًا أفضل من ذاك الذي منحنا إياه الكاتب، ليحكي عن طوق طهارته المكسور.

هل سأقرأ مجددًا لمحمد حسن علوان؟
بكل تأكيد نعم، إنصافًا للغته الحافلة بالمزايا، علاوة على أخذ تاريخ صدور هذه الرواية بعين الاعتبار، فقد صدرت منذ ١٣ سنة، ومن المؤكد أن الكاتب قد استفاد من هذه التحربة في أعماله التالية.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2020-06-14

المصدر الأصلي على ووردبريس