محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

في اكتشاف الكنوز المنسية (٥) الواجهة ليوسف عز الدين عيسى

في اكتشاف الكنوز المنسية
(٥) الواجهة ليوسف عز الدين عيسى

رواية رمزية فلسفية من الممكن أن تصنف تحت مسميات أخرى كالفانتازيا أو الدستوبيا، ولكن بغض النظر عن التسمية، ومع الاحترام لمحبي التصنيف والفهرسة، فإننا - فقط - أمام رواية عظيمة شديدة الجرأة!

يقدم الكاتب حكاية خيالية، ولكنها شديدة التماس بالواقع في ذات الوقت، الرمزية واضحة منذ البدايات، وقد عمد الكاتب إلى الابتعاد الكلي عن إغراق نصه بالأطر الملغزة كما يحلو للبعض. الحكاية حكاية إنسان، وهو أي إنسان، يعيش في مدينة ما، وهي أي مدينة، وتغييب الأسماء هنا يهدف إلى خلق حالة من التعميم لكل مفردات الحكاية، وأضلاعها الأربعة؛ الإنسان،المكان، الخير والشر، والله!

يتساءل الكاتب بجرأة عن دور الله فيما يجري لبني البشر، وعن مدى تدخله فيها، بل ويذهب حتى للاستفسار عن ضرورة هذه التدخلات ومدى اتساقها مع قيم الحق والعدل! هل يختار الله للإنسان الطريق، أم يشق المرء طريقه طواعية؟ وما فائدة السعي في مدينة (دنيا/عالم) كل سكانها محكوم عليهم بالإعدام (الموت)؟

ومدينة يوسف عز الدين لها شطرين، واجهة يعيش فيها الناس في النور، حيث ينخرطون في حياة روتينية تُقدَّس فيها القشور، وتُبدى فيها كل مظاهر الشرف، وقسم خلفي يعج بشتى صنوف الحرام، بذلك يكون لكل إنسان حياتين، حياة يُظهرها للناس، وحياة يُبطنها، فيطلق فيها العنان لشهواته دون أي اعتبار لحقيقة الإعدام المؤكد (الموت)، وسطوة مالك المدينة (الخالق).

و على الخط الفاصل بين قسمي المدينة (الدنيا) يقف "ميم نون" حائرًا، وقد كُلف باكتشاف الحقيقة عبر مالك المدينة، ولكن ضميره اليقظ، وإصراره على أن يظل شريفًا، يتحولان إلى عوائق تحول بينه وبين الحقيقه، يتسع الشق بين الحياتين، إذ ينفر من حياة المدينة الخلفية بكل عوارها واعوجاجها، ويُجبر على الدوران في الطاحونة في الواجهة، حيث يجلد بسوط القوانين والنظم الموضوعة، ليدور في ساقية لا ينتج عنها أي طحين! كرمز صارخ لعبثية الحياة وانعدام جدواها في ظل هذه النظم التي تلفظ الشرف وتحتجز الضمير.

يحاول "ميم نون"، قرب النهايات، أن يؤدي المهمة الموضوعة له، وقد تماست واتحدت مع طوفان من الاستفهامات يطن في رأسه منذ أن وجد نفسه في المدينة، فهو المنوط به كشف الحقيقة، بيد أن نظام المدينة في ذات الوقت، يضع أمامه كل العراقيل التي تمنعه من مجرد الاقتراب منها، ليظل ميم نون طوافًا حول بؤرة النور، دون أن يتمكن من الاقتراب منها فملامستها. حتى يسطر الكاتب نهايته، ليرمز مرة أخرى إلى استمرارية الضياع في ديمومة من الشتات والعبث.

اعتمد الكاتب على تكنيك الراوي العليم، واستغرقته فكرة الرواية فشحذ كل حواسه وتفكيره لبلورتها، فلم يستخدم لغة مزخرفة، وآثر ألا يجنح إلى تعابير مطرزة باستعارات وكنايات وصور، فأخرج روايته بلغة غاية في البساطة، سهلة وسلسة وواضحة حد المباشرة.

وعلى ذلك، فهي واحدة من أجرأ وأفضل روايات زمانه، وهي طيعة صالحة للقراءة في كل عصر وأوان، لتفرد فكرتها ورمزيتها، وجرأتها على تناول أفكار تحرص الغالبية على تجاوزها وتفاديها.

عمل كلاسيكي رائع، لا يجوز أن تخلو منه مكتبة القارئ العربي، فتحية للدار المصرية اللبنانية التي أعادت نشر هذه الدرة الأدبية.

موقع الكاتب:
http://www.eassa1914.com/ar/index.aspx

#محمد_سمير_ندا
#في_اكتشاف_الكنوز_المنسية

تاريخ النشر في المدونة: 2020-08-19

المصدر الأصلي على ووردبريس