محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

ثلاث خطوات إلى المشنقة... جان دوست يوثق تاريخ الظمأ الكردي للاستقلال.

قراءة جديدة لأعمال الروائي السوري جان دوست، وروايته التاريخية المهمة؛ ثلاث خطوات إلى المشنقة، وهي الرواية التي تؤرخ لحياة الشيخ سعيد بيران، ونهايته الموضحة في عنوان الرواية. ويعد الشيخ سعيد بيران أحد كبار زعماء الكرد في القرن الماضي، وقد تزعم أول ثورة كردية مسلحة ضد حكومة أتاتورك في عام ١٩٢٥ مطالبًا بتنفيذ الوعد التركي بمنح الأكراد حكمًا ذاتيًا في مدنهم، إلا أن ثورته قد أجهضت سريعًا، إثر تراجع الكثير من العشائر والقيادات المردية عن دعمه، وتدخل قوات أجنبية لمناصرة حكومة أتاتورك.

هذا عن الشق التاريخي للمرحلة التي يتناولها النص، أما بخصوص النص الأدبي بمعزل عن سطوة التاريخ، فقد خلصت من خلال قراءتي إلى عدة نقاط أساسية:

١. إذا ما تحدثنا عن الغلاف والعنوان كأول عتبات النص الروائي، فقد وجدت أن صورة الغلاف قد حملت مشهدًا مغايرًا لما جاء في متن النص، فقد كان وصف دوست دقيقًا لساحة الإعدام وما اكتظت به من مشانق وأجساد تتأرجح أمام ناظري الشيخ سعيد، فيما كان الغلاف حاويًا لما يشبه ساحة إعدام، ولكنها بلا مشانق، وبلا كرسي إعدام، وتظهر بيئة مغايرة لما جاء في وصف السارد.
أما ما يخص العنوان وما انبثق عنه من استهلال، فهو عنوان كاشف فاضح، يحمل في طياته مغامرة كبيرة من الكاتب، إذ أن القارئ من خلال العنوان، والصفحات الأولى المُعرفة بالشيخ سعيد، يعرف أنه أمام سرد للحظات الأخيرة من حياة الشيخ سعيد بيران، وفي غضون دقائق، سيعرف من خلال جوجل وويكيبيديا من هو سعيد بيران، وما هي حكايته التي أودت به إلى حبل المشنقة، وبهذا يضرب الكاتب بعرض الحائط كل عناصر التشويق الجاذبة للقارئ، فقد كشف عن هوية بطل الرواية التاريخية ومصيره خلال دقائق وأسطر معدودة، الأمر الذي يعني ثقة الكاتب الكبيرة في قدرته على جذب القارئ لقراءة ٢٢٤ صفحة عقب الكشف عن كل شيء من حيث الحكاية التاريخية للقاتل والمقتول، وفي ظني أن رهان الكاتب على قلمه وقدراته السردية، ومغامرته هذه في مجملها، قد جاءت موفقة وناجحة، إذ أنه أفلح في جذبي لقراءة حكاية عرفت خاتمتها منذ الصفحة الأولى، وهو أمر يحسب لجان دوست، ويبرهن على طاقته السردية الهائلة، علاوة على عنصر هام آخر، وهو تجاربي السابقة مع الكاتب، والتي جاءت في مجملها مشجعة على قراءة هذا النص.

٢. الظمأ هو العتبة الثانية الأهم في هذه الرواية، فهو حالة عامة تفرض حضورها بين السطور كبطل موازي للشيخ سعيد، والظمأ هنا حالة تعبيرية عن حال الأكراد وقت وقوع الأحداث، وربما أرى أن الحال لم يتغير حتى اليوم، الظمأ إلى الاستقلال، إلى الحرية، إلى الوجود أسفل راية خضراء تتوسطها شمس تلقي بسبعين شعاع، برع دوست في استحضار حالة الظمأ بطول الرواية، وأجاد توظيفها في أكثر من موضع في أزمان مغايرة، حتى أنني استحضرت حالة الظمأ هذه إبان قراءتي، فازداد توحدي مع الحدث وصانعيه.

٣. الظلال تأتي هنا كعنصر سردي مهم، يوصّف تحولات الشيخ سعيد في المرحلة الأخيرة، فهو تارة يحمل ظلاً أخضر اللون في ذروة حضور الحلم المضفور بالأمل، ثم يذبل الظل مع تعرج المسار والتعجيل بالحراك الثوري فيكون له إصفرار أوراق الخريف، حتى يتلاشى الظل نهائيًا كرمز لانتهاء الحلم، ونهاية الشيخ الوشيكة، وفشل الحصار حول ديار بكر. أجاد دوست كثيرًا في اللعب بالظلال على مسرحه السردي، خصوصًا في الثلث الأخير من الرواية.
كذلك كانت حبات الجوز، ومحاولات قذفها لتستقر على القباب المائلة، رمزًا لاستحالة تحقق الحلم الكردي بطول صفحات الرواية، في ظل عدم توحد رماة الجوز.

٤. رغم أن جان دوست يوثق تاريخ الحلم الكردي الذي لم يتحقق حتى اليوم، إلا أنه لا ينأى بالأكراد عن الخطأ والخطيئة، فهو لم يغسل الأيدي الكردية من دم الأرمن، بل وثق مشاركتهم في تلك المذابح متأثرين بخطاب ديني عنصري يشجع على البغض والكراهية، كما يؤكد على أن الأكراد، إثر عدم توحدهم في أكثر من مناسبة تاريخية حملت فرصًا سانحة للاستقلال، قد شاركوا في هدم جدار الحلم فوق رأس الشيخ سعيد نفسه.

٥. يشيد الروائي حكايته بالأساس مرتكزًا على تقنية الفلاش باك، وهو اختيار موفق لتكنيك بناء الرواية، فالشيخ سعيد، وفي الدقائق القليلة التي تفصله عن الموت، وفيما يخطو خطواته الثلاث الأخيرة، يسترجع أهم محطات حياته، منذ طفولته وصباه، وعشقه الظامئ لفتاة فارق بينهما البئر والعطش، وصولاً إلى ثورته المجهضة. واللحظات المفصلية التي قادته إلى حبل المشنقة، يسترجع الشيخ البدايات، ويشيد المعابر فوقها ليبلغ النهايات، إلا أن غياب بعض التفاصيل قد استوقفني، فقد ردتنا الذكريات إلى مراحل الطفولة والشباب والدراسة والحب الأول، ثم قفزت بنا إلى مرحلة الشيخ الستيني الذي تزوج وأنجب وانخرط في حلمه الثوري، وفيما بين المرحلتين، تحسست بعيني فجوة ضخمة غيبها الكاتب بقصد أو بدون قصد، فنحن لم نعرف كيف تزوج الشيخ؟ وممن؟ وكيف تحرر من طيف معشوقته الأولى؟ وكم أنجب من الأبناء؟ وكل هذه التفاصيل التي كان من الممكن المرور بها، ولو في عجالة! فلا أعرف إن كان جان دوست قد اختصر نصه الأساسي فحذف منه ما سبب تلك الفجوة، أم أنه قرر طواعية القفز فوقها اختزالاً لحجم النص.

٦. لا يمكنني أن أنتهي من سرد انطباعي عن هذه الرواية، دون أن أتوقف أمام إبداعية وجمالية السرد وثراء الخيال في الصفحات الأربع التي حوت الفصل الأخير من الرواية "الخطوة الرابعة"، أبدع الكاتب إلى أبعد حد في وصف مشاهدات الشيخ المشنوق في سكرات الوداع، أحببت كثيرًا حضور طيف بريخان، والسؤال المؤجل إلى الله، واستمرارية حالة الظمأ لدى الشيخ، ثم صوت الله فيما يستعلم عن السؤال غير المنطوق، الذي يتركه الكاتب بين يدي القارئ.

نهاية، نص تاريخي جريء ومهم، لغة جان دوست شعرية كالعادة، ممتعة وثرية بالتعابير والاستعارات، وإن كان هذه النص تحديدًا -بخلاف ما قرأت من روايات جان دوست- قد جاء كثيفًا من حيث الاستعارات التي زاوجت المحسوس بالملموس، حيث أن بعض هذه الاستعارات قد عطل قليلا من انسيابية السرد، على سبيل المثال القول بأن "صقر خيال الشيخ قد هبط حتى دنا من أرانب سنواته التي تقافزت هنا وهناك في برية عمره - ص ١٢٠" وخلافه.

في المجمل، كقارئ، أجدني منحازًا لجان دوست ومشروعه الأدبي المنبثق من معاناة الشعوب والقوميات، فهو سوري كردي، قرأت له كوباني عن مأساة مدينته التي دمرتها الحرب فمحت الكثير من ذكرياته، وباص أخضر يغادر حلب، ثم ممر آمن عن توثيق جرائم الحرب السورية، وتجريم الحرب دون انحياز لأي طرف من الأطراف، ثم نصنا هذا؛ ثلاث خطوات إلى المشنقة، الذي وثق تاريخ الأكراد وحلمهم المشروع بالاستقلال، بذات الحيادية التي كانت حاضرة في أعماله الأخرى.

من الرواية:
" تقام الصلاة ‏في المساجد بعد وضوء سريع بالماء، أما صلاة الحرية فتحتاج إلى وضوء بالدم، لذلك لا يحضرها إلا القلة"

أحببت هذه الرواية، وأعجبني رسم الكاتب لعدة شخوص، كالشيخ سعيد وخضر البوطي وبريخان وخالص على وجه التحديد.
عمل تاريخي مهم، أجواء صوفية كثيفة، ونص أدبي ممتع عن الحلم والخذلان، أنصح به من يود التعرف على حكاية الأكراد وحلمهم المؤجل بالاستقلال، والظمأ إلى التحرر في العموم.

⭐️⭐️⭐️⭐️

#محمد_سمير_ند

تاريخ النشر في المدونة: 2020-08-19

المصدر الأصلي على ووردبريس