في اكتشاف الكنوز المنسية (١) أيام الإنسان السبعة لعبد الحكيم قاسم

قرأت هذه الرواية شابًا حديث العهد بالقراءة، اختلستها من مكتبة أبي رحمه الله، أعتقد أنها كانت طبعة سابقة لطبعة مكتبة الأسرة، قديمة مصفرة الأوراق، لا أتذكر دار النشر التي صدرت عنها، ولكنني أتذكر أنني خرجت بانطباع عظيم عن الرواية على صعوبتها واختلافها من حيث البناء والسرد.
خلال الأسبوع الأخير، عدت مرة أخرى إلى أيام الإنسان السبعة (طبعة دار الشروق)، بعقلية أحسبها أكثر نضجًا، ورصيد قراءات متنوعة ذلل كثيرًا من الصعوبة الأولى، قرأت الرواية على مهل، أتذوق ما أهال عليه الزمان أيامه، وتاه بين صفحات كُثُر، أستعيد الحكاية، لأنتهي إلى انطباع يفوق الانطباع الأول من حيث المتعة والتقييم.
لم أقرأ نصًا أدبيًا ينضح بهذا القدر من الأصوات والألوان والروائح، عبد الحكيم قاسم استطاع أن ينقلني -حرفيًا- إلى الريف المصري، فدرت مع الرقاب المتأرجحة في حلقات الذكر، عشت مع عبد العزيز في أجواء الحضرة الصوفية، وحضرت تحلق النسوة حول الأفران في مجالس الخبيز استعدادًا لزيارة السيد البدوي، صحبت الركب في سفره، وتعلمت طقوس الخدمة علي يدي الحاج كريم، تعلقت بالمقام في الليلة الكبيرة، ودعت السلطان مع المودعين، وسلكت ذات الطريق التي سلكتها جموع المريدين.
والولد عبد العزيز يختزن الصور والمطارح والحكايات، يصير الصبي شابًا، يكمل رحلة التعلم خارج أسوار القرية، فتهتز القناعات والمسلمات، ويحار بين عشقه لأبيه وقريته وآل المجلس والحضرة، وقناعته المتنامية بخطأ ما اتبعه هؤلاء الأحباب، ليقف على مسافة تتباين بين السطور، بين ما استقر في يقينه من إملاءات عقله، وما وجد عليه الآباء والجدود.
فبرغم تدفق الكثير من أسماء الشخوص في أول الفصول، يظل العمل متماسكًا، والحكاية ثابتة الأركان، يعيشها القارئ كحالة شديدة الخصوصية، تنساب بروية دون ذروة للحدث، حتى ينتهي القارئ من فصولها، فيقف لالتقاط الأنفاس، وربما يمسك برأسه، وكأنه شارك للتو في واحدة من حلقات الذكر!
ما هذه اللغة؟ شيء مبهر ومحزن في ذات الوقت، الانبهار يليق بسرد عبد الحكيم قاسم، ويتسق مع تفرده، والحزن يفرزه التعرف على حكاية عبد الحكيم قاسم خارج أوراقه وبعيدًا عن شخوصه وعوالمه، فالكاتب العظيم مهدور حقه، عاش ٥٥ سنة، لم يحظ خلالها بما يستحقه من تقدير، ولم ينل مكانته المستحقة بين أقرانه. الأدب المصري يختزل جيل الستينات في أسماء بعينها، ولا يمنح القداسة لغير نجيب محفوظ، فيما أجرؤ على القول بمنتهى الأريحية أن موهبة عبد الحكيم قاسم لا تقل بأي حال من الأحوال عن موهبة محفوظ، وأنا هنا لا أقلل من أديب نوبل، بقدر ما أمنح قاسم مكانة لم تمنح له حيًا، على الأقل هذه وجهة نظري الخاصة.
تحية إلى روح عبد الحكيم قاسم، أرفق معها رسالة عرفان لأثره الكبير، واعتراف بتفرد تجربته ونصوصه.
ودعوة مفتوحة أوجهها لكل القراء والمثقفين، أن يتعرفوا على نصوص عبد الحكيم قاسم، أو أن يعودوا إليها بين حين وآخر، لا أختص بدعوتي هذه رواية أيام الإنسان السبعة فحسب، بل أدعوهم لقراءة الأعمال القصصية والروايات القصيرة، فلا يفوتهم قراءة نصوص مثل "المهدي" وطرف من خبر الآخرة"، وغيرهما الكثير من النصوص الفريدة، علاوة على ما تيسر من سيرة ذاتية ورسائل طبعت منذ سنوات بعنوان "كتابات نوبة الحراسة"، وهو الكتاب الذي حوى عدة رسائل من ضمنها آخر رسالة كتبها عبد الحكيم قاسم قبل وفاته، والتي جاء فيها:
(الصديق العزيز الأستاذ الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة..أكتب لك عشمانا فيك بأن ترفع أجرى عن «أيام الإنسان السبعة» المترجمة إلى ألف جنيه وأن يتم الصرف بسرعة.... إننى محتاج وأنت زميلى وقاضى الحاجات لى)
كل الشكر لعبد الحكيم قاسم، مصحوبًا باعتذار لا يفيد، واقع الأمر أنه تأخر كثيرًا!
#محمد_سمير_ندا
#في_اكتشاف_الكنوز_المنسية
تاريخ النشر في المدونة: 2020-08-19