محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

في اكتشاف الكنوز المنسية (٤) قرية ظالمة لمحمد كامل حسين

كنت قد قرأت هذه الرواية منذ عشر سنوات، وتركت لدي انطباعًا عظيمًا، وبالعودة إلى أوراقها مساء البارحة، وجدت لدي انطباعًا مغايرًا، وقد تلاشت حالة الوهج والألق الأولى، وذلك لعدة أسباب.

الرواية نشرت عام ١٩٥٥، لذلك فقد جاءت لغتها على الطراز المنفلوطي إن جاز التعبير، وهو أمر لا ينتقص منها بقدر ما يرمي إلى إلقاء الضوء على أسلوبها اللغوي، وهي تتناول مرحلة تاريخية فاصلة في تاريخ البشرية، عبر تصور أدبي للأيام التي سبقت صلب المسيح.

المعضلة هنا (وفقًا لقراءتي الثانية) هي أن الكاتب قد جنح إلى التنظير الفلسفي للأمور على حساب السرد، فأسهب في محاورات فلسفية وإيمانية توضح الفوارق بين المنهج الروماني السلطوي، والفكر الفلسفي اليوناني، ومنظور الإيمان لدى اليهود.
أسهب الكاتب كثيرًا في سرد تلك المحاورات بين الشخوص، وخصص لها ما يزيد عن ثلثي الرواية، فكان ذلك على حساب البناء الروائي، حيث كان من الجلي والملموس استغراق الكاتب في الأفكار التاريخية والعقائدية والفلسفية على حساب رسم الشخوص وتطورهم مع تنامي الخط التصاعدي لهذه الدراما التاريخية الثرية، فأغلب الشخوص تبزغ في فضاء الرواية دون تمهيد، ودون توضيح كافٍ لدوافعهم وخلفياتهم.

ورغم تقسيم الرواية إلى ثلاثة محاور رئيسية، تناول الكاتب من خلالها الأحداث التي مهدت لصلب المسيح من خلال ثلاث رؤى؛ بني إسرائيل، والحواريين، والحاكم الروماني، إلا أن وتيرة السرد لم تتغير مع اقتراب تنفيذ الصلب، وحتى تنفيذه، وارتكزت المحاور الثلاثة على ذات النهج الحواري الطويل، الهادئ، بين الأشخاص، الأمر الذي أخل بنسق الرواية حد الملل في بعض المواضع.

وعلى ذلك، نظل أمام رواية مهمة، تناولت أحداث تاريخية مفصلية غيرت وجه العالم، وهي جرأة تستحق الإشارة والإشادة قياسًا بتفردها في زمن صدورها، الأفكار الفلسفية التي طرحها الكاتب تستحق التفكير بتمعن وهدوء، خصوصًا ما يتعلق بمقارنة بين حضور الضمير الفردي من جهة، ونزعة الهمجية لدى الجماعة من جهة أخرى، وتشتيت الشعور بالذنب عبر توزيع الجرم على عدد لا محدود من الأفراد.

أحببت الإطلاع حالة الشك التي انتابت اليهود والرومان حال الحكم بصلب المسيح، وتصورت حال العالم اليوم إذا ما استمعوا إلى ضمائرهم في ذلك اليوم المشهود، واعترتني حيرة في شأن الحواريين، ومحاوراتهم الطويلة التي طرحوا من خلالها أفكار متباينة حول الدور المنوط بهم تنفيذه.

كذلك أعجبني تجنب الكاتب قسوة مشهد الصلب والاكتفاء بالرسم على هوامش تلك اللوحة الدامية، كما لفت انتباهي ذكاء الكاتب إذ راوغ باقتدار نقاط الخلاف بين المسيحية والإسلام بشأن حدوث الصلب من عدمه، ثم قيامة المسيح وما تلاها، فأكمل حكايته بإحكام دون أن يمر قلمه بمواضع الاحتقان.

وإن كنت أعتقد أنه كان بالإمكان أفضل مما كان، فإنني أقر باحترامي لتجربة الكاتب، وحياديته، وجرأته، ولغته القوية عظيمة الثراء.

#محمد_سمير_ندا
#في_اكتشاف_الكنوز_المنسية

تاريخ النشر في المدونة: 2020-08-19

المصدر الأصلي على ووردبريس