محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

في اكتشاف الكنوز المنسية (٣) حافة الليل لأمين ريان

شيء محبط، ومزعج، أن تطوي الذاكرة الأدبية المصرية في أركان النسيان روايات فارقة كهذه الرواية، عمل أدبي فذ، مكتوب في عام ١٩٤٨، ومنشور على نفقة الكاتب لأول مرة في عام ١٩٥٤، قبل أن تعيده دار الشروق إلى الحياة في عام ٢٠٠٨، وقتما كان ريان على قيد الحياة لحسن الحظ، حيث غادرنا عقب ذلك بست سنوات.

شخصيًا أعرف أمين ريان منذ زمن، وقد جمعته شراكة وجدانية مع والدي الراحل، وكان اسمه يتردد كثيرًا في الصالون الثقافي لسمير ندا. لذلك حرصت على اقتناء روايته ربما فور صدورها منذ ١٢ سنة، ولكنني لم أقرأها إلا أخيرًا، وقد قررت نفض غبار الزمن عن كلاسيكيات أدبية أهملناها وتناسيناها جميعًا.

تدور الرواية حول آدم، فنان تشكيلي تهتز قناعته بالفن، ما بين التحريم الديني، وغواية الهواية، والرغبة في إفراغ المختزن من الصور والأحلام التي يكبلها الواقع. يهجر آدم المراسم، وينضم إلى جماعة دينية متزمتة، تنبذ الفن وتحرمه، إلا أن نداهة الألوان سرعان ما تسترده إلى عالمها، فتبتدئ فصول الرواية، بآدم العائد من رحم الظلام إلى بهجة الألوان.

وبرغم أن الكاتب هو فنان تشكيلي بالأساس، وكذلك جاء بطله آدم، إلا أن ريان لا يغرق الرواية بتفاصيل ثانوية وهوامش توضيحية حول الفن التشكيلي، إذ يكتفي بوصف العوالم بإتقان لافت، ورسم الشخوص وإطلاع القارئ على مخزون الأزمات الذي يجيش في صدورهم، عبر لغة شعرية بديعة، رصينة وقوية، كانت من أهم مواطن القوة في النص.

ولدينا بطلة محورية أخرى هي عطيات، أو أطاطا، الموديل العاري التي اعتادت التعري أمام لوحات الرسامين، شأنها شأن الكثيرات في هذا العالم الخفي، وعطيات فتاة بسيطة، لم تتلق سوى القدر اليسير من التعليم في الكتاتيب، ولم تعرف عملاً آخر منذ أن تفتحت بتلات أنوثتها.
يبرق العشق بين آدم وعطيات، ويفتح أمامهما آفاقًا أكثر رحابة، فيتشاركان الحلم بحياة جديدة يسطرون فصولها ويرسمون معالمها وكأنها كون جديد استُبدلت فيه حواء بعطيات، ولكن؛ هل يُسمح لعطيات بحياة لا تعرف التعري؟!

وبضفاف حكاية موازية تجنح في مأساتها إلى التقليدية، وهي حكاية لولي مع شوقي (صديق آدم الأقرب، وربما الوحيد)، تسري حكاية آدم وعطيات وتتسع مصابها لتستجوب الكثير من المفاهيم، وتطرح أسئلة لم تجد حلولها حتى اليوم، عن الفن والإبداع والحرية، وتناول الدين لذلك الثالوث المُحرم في قناعات الكثيرين، عن الحب كفطرة للروح، والحب كاختيار وقرار، عن تبدل القلوب وتغير الأهواء. فإذا ما تذكرنا بنهاية الرواية، أننا نقرأ نصًا كتب في عام ١٩٤٨، توجب علينا أن نتوقف باحترام وإجلال أمام سرد أمين ريان وطرحه وتناوله بطريقة سبقت الكثيرين من مجايليه.

تبتدئ الرواية بآدم وحيدًا تتنازعه أفكاره وتقلبات قلبه ما بين الهواية والغواية والحلال والحرام، وتنتهي به وحيدًا يقف على حافة ليل القاهرة، يفند أوراق حكاية شوقي، وحكايته، دون أن يستقر قلبه على حقيقة ثابته حيال عشقه لعطيات الهاربة من تبديل المصير، أو ميله تجاه لولي، عشيقة صديقه الذي اختفى بدوره، ودون أن تعلن أواخر السطور عن قرار يوضح استمرارية آدم في محاريب الفن، أو عودته إلى عزلته الأولى، الطوعية.

من وجهة نظري الشخصية، لو استبدل ريان استخدام العامية في الحوار المتداخل مع السرد بلغته الفصحى البارعة، لأسهم ذلك الأمر في انتشار الرواية بشكل أكبر، ولكان لها شأن آخر من التداول النقدي محليًا وعربيًا، لأنها تستحق الاحتفاء والإشارة والإشادة.

نهاية، حافة الليل ليست هي الرواية الوحيد المظلومة لأمين ريان، بل ربما هي أكثر رواياته حظًا وقد أعيدت طباعتها عبر مشروع دار الشروق العظيم "نصوص متميزة" (رغم توقف هذا المشروع عن إصدار أي جديد من ذاكرة الأدب المصري منذ سنوات لسبب لا أعرفه)، إذ أن لريان أعمال روائية أخرى تظل قيد الكتمان ورهن النسيان، ومن أهمها رواية القاهرة ١٩٥١، ورواية الضيف، التي نشرت هيئة الكتاب الجزء الأول منها في التسعينيات، ولم تنشر الجزء الثاني حتى اليوم!

أرجو من داريّ الشروق والكرمة، عبر مشروعيهما العظيمين؛ نصوص متميزة، ومختارات الكرمة، أن يعيدا الحياة إلى روائع أمين ريان المنسية، عبر إعادة طباعتها، فقلم الرجل يستحق الاهتمام، والنسيان لا يليق بأوراقه.

ملحوظة: طبعة دار الشروق لم تذكر اسم صاحب لوحة الغلاف، وأنا أميل إلى نسبها للمؤلف نفسه، ولكنني لا أستطيع الجزم بذلك.

#محمد_سمير_ندا
#في_اكتشاف_الكنوز_المنسية

تاريخ النشر في المدونة: 2020-08-19

المصدر الأصلي على ووردبريس