محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

شلة ليبون لهشام الخشن... شظايا العمر تلتم على حافة مائدة…

همّ الزمن:

بات الانشغال باستدعاء الزمن عبر الأعمال الروائية للكاتب المصري هاشم الخشن بمثابة قاسم مشترك بين أغلب نصوصه الرواية التي قرأتها، ذلك دون إغفال للتنوع بين النصوص، ولكن، في رواية "جرافيت" تناول الخشن مرحلة تاريخية مفصلية في تاريخ مصر الحدث، مقدمًا لآثارها التي تمتد حتى اليوم، وفي تلال الأكاسيا، وبرغم أن الإطار العام للرواية يظهر صورة معاصرة لأحداث تسير في الزمن الراهن، إلا أن بطل الرواية يظل غارقًا في مراجعة أوراق الماضي ومحطات حياته، وكيف كان للاختيارات والأقدار دورًا رئيسيًا في تحديد المسارات، أما رواية حدث في برلين، فقد تميزت بتناول فترة زمنية من منظور مغاير لأغلب ما قدمه الأدب العربي عن هذه الحقبة، مستعيدًا سيرة لجوء بعض الألمان إلى مصر وانخراطهم في الحياة المصرية هربًا من مطاردة اليهود لبقايا النازيين. وأخيرا، تأتي شلة ليبون لكي تناقش تحولات المجتمع والهوية لفترة ثلاثين سنة سابقة.

أجواء الكتابة لدى الخشن:

يكتب هشام الخشن ليستمتع بما يكتبه في المقام الأول، تطارده الفكرة فيركض خلف طيوفها حتى يصهرها حبرًا بين أوراقه وقد اكتمل تجسدها. هو غير منشغل بالاستعراضات اللغوية، ولا يهتم كثيرًا باستقطاب الخطاب النقدي الذي يمارس نوعًا من الاستعلاء على القارئ والكاتب بذات الصيغ المكررة للقولبة والكليشيهات، لذلك فإن لغته على رصانتها وتماسكها بسيطة سهلة التلقي، تضمن له النسبة الأعلى من المقروئية بين قطاع عريض من القراء. لا تنتمي كتابات الخشن إلى نوعية "البوب آرت" في نهاية الأمر، حيث أنه يقدم أدبًا روائيًا متميزًا، قوي في حبكته، حافل بالأسئلة التي تستجوب مفاهيم المجتمع، والأخلاقيات الإنسانية في عمومها. باختصار؛ نحن أمام كاتب حر، يكتب بمعزل عن التكهنات المسبقة حول الانطباعات، ولا ينشغل بالتصنيفات الروائية والتناول النقدي، ولا يلتفت لمطالبات لشريحة المثقفين المنقبين عن التجريب السردي والحداثة وما بعدها.

عباءة إحسان عبد القدوس ومدرسة الهواء الطلق:

تتشابه كتابات الخشن وإحسان عبد القدوس بما يضعهما متجاورين في مدرسة تتماس مناهجها السردية، ولتوضيح الأمر؛ فأنا لا أقصد هنا ثمة محاكاة يمارسها الخشن لنصوص عبد القدوس، أو انشغال بهمومه، فإحسان عبد القدوس كانت قضية الحرية (حرية المرأة كرمز أشمل للوطن) هي شاغله الأكبر رغم تنوع تناوله لعوار المجتمع المصري، في حين تتنوع كتابات الخشن كذلك لتهتم بعرض التاريخي قبل المعاصر، وامتداد أثر الماضي ودوره في تشكيل الحاضر، علاوة على اتقان الخشن في تفهمه لدواخل المرأة المتشابكة، والتي تعجز المرأة في الكثير من الأحيان عن فك طلاسمها، وإن منح الخشن العنصر الذكوري مساحة سردية أكبر، متخليًا عن نهج عبد القدوس، رغم تناوله الضمني لواحدة من أهم قضايا إحسان، وهي حرية المرأة، ولعلنا نجد في بطلات الخشن نماذج متنوعة للمرأة المظلومة/المقهورة/المنكسرة/وحتى الظالمة لنفسها. غير أنني، وبخلاف ما تقدم، أرى أن التشابه الأصيل بين أدب الخشن وأدب عبد القدوس هو عنصر السلاسة اللغوية، وكتابة الهواء الطلق المتحررة من كل الجدران والقيود، والانتحاء بعيدًا عن تقعير اللغة. ثم يأتي العنصر الأهم، ألا وهو قابلية جميع أعمال هشام الخشن الروائية للتحول إلى أعمال درامية، سينمائية وتليفزيونية، وهو أمر -أتمنى- أن يفاجئنا به الكاتب قريبًا. بالمناسبة؛ أكثر من 50 عمل لعبد القدوس تم تحويلهم إلى أعمال درامية (سينما-مسرح-تليفزيون).

شلة ليبون:

وجدتُ أن المقدمة السابقة مهمة لعرض روايتنا هذه، وإن وجد البعض في التمهيد شبهة إطالة، فأنا أعتذر عن ذلك مسبقًا.

مغامرة سردية جريئة، تتشابه من حيث الجرأة والإقدام مع رواية أحمد القرملاوي الأخيرة، وإن جاءت رواية الخشن أقل حشدًا للأسماء، وأقل حجمًا، يقدم الكاتب نصه عبر المزج بين تقنية الراوي العليم الذي اختص بالفصلين الأول والأخير، وتعدد الرواة. مجازفة جاءت بطريقة هندسية محسوبة، استمعنا من خلالها إلى أصوات سبعة رواة يتممون فصول الحكاية، دون أي درجة من الإرباك. جاء التقسيم بدوره موفقًا للغاية، خصوصًا فيما يخص توزيع الأصوات بين أوراق اللعب "بالمناسبة يوجد فاصل ناقص في نهاية صفحة ٥٩ يجب وضعه قبل آخر سطرين". أما من حيث البناء السردي وتكنيك القص الروائي، فقد برع الكاتب في ربط خيوط الشخوص السبعة الرئيسية، وهو تحدٍ لا يُحسد عليه، وضع نفسه فيه مغامرًا بتشتيت القارئ عبر سرد ثلاثين سنة من حياة سبعة أشخاص خلال 254 صفحة! مغامرة كانت موفقة في النهاية، وأظنها تضيف إلى رصيد الخشن الروائي، خصوصًا مع إحكام الروابط ورسم الخيوط الأساسية للأصدقاء السبعة، ثم الكشف عنها تدريجيًا، عقب كل ورقة تلقى على مائدة اللعب! قبل أن يترك الخشن للقارئ أن يختار هو الفائز من بين المتسابقين الستة، وقد اكتفى أحدهم بتوزيع الأوراق! نهاية استحسنتها كثيرًا بالمناسبة.

أربعة رجال وثلاثة نساء:

عبر ثلاثة عقود، يجتمع سبعة أشخاص في ليلة رأس السنة للعب البوكر قدر استطاعتهم وحسب ظروفهم، واللعب هنا هو لعب لمجرد المتعة، وليس كنوع من مقامرة المحترفين. لعبة البوكر هنا -كم وجدتها- عبارة عن مدخل رمزي يقدم الكاتب من خلاله الحياة كلعبة، كمجموعة من القرارات والنتائج المترتبة على اتخاذ القرار وتوقيت اتخاذه، لعبة لا تخلو من التحايل والتلون والكذب إن لزم الأمر، ولو عبر ادعاءات توحي بحقائق تود أن تنسبها لنفسك، وإن كانت محض ادعاءات.
هل كان هذا وصف للعبة البوكر، أم أنه وصف دقيق، وحقيقي، للحياة التي نعيشها؟

عبر سبعة نماذج متباينة، تجمعها صداقة امتدت لما جاوز ثلاثين سنة، ودون الكثير من الإفصاح الذي قد يفسد قراءة الرواية لمن لم يقرأها يعد، سأتحدث عن الأنماط البشرية التي استدعاها الخشن في نصه، دون ذكر الأسماء. بداية لدينا صاحب شقة ليبون، وسبب الاجتماع الأول، وموجه دعوة الاجتماع الأخير، شخص مهموم بتجربة شخصية مريرة، تُزاوج بين مرارتي الفقد والقهر، وبرغم نجاحه العملي الذي ذيل حساباته بأرقام من ثمانية وتسعة أرقام، لا يقدم على الثأر بقدر ما يهدف إلى التخلص من الفقد عبر استعادة حلم الغرام المفقود لحساب صداقة ما. النمط الثاني يمثل الشخص العقلاني، ذلك النمط البشري الذي يتفوق دراسيًا، فيشيد حياته بأكملها وفق الحسابات والمعادلات، بعيدًا عن أي استحضار يذكر للعاطفة، يحسب حساباته بمنتهى الدقة، حتى تفاجئه الحياة بمعادلة تعارض كل قيمه وإرثه الأيديولوجي الذي اعتقد أنه تخلص منه للأبد، لتكون المعادلة التي تخلط كل أوراقه، ويستغلق عليه حلها. ثم يجئ النمط الثالث، ليكون على النقيض من النمط الثاني، الشخص الانفعالي المندفع، المنساق خلف عواطفه وانفعالاته، دون أي إقحام للعقل في أهم قرارته وأكثرها تأثيرًا في مسارات حياته، كان هو الشخص الذي أدمن خلط أوراقه طيلة الوقت. النمط الأخير بين الرجال الأربعة، وهو الشخص الذي كانت حياته الأكثر ثراءً من حيث التقلبات الدرامية، كاتب موهوب، يرتضي بلعب دور الكاتب الظل/الشبح، يرتضي بالانسحاق المترتب على خلفيته الاجتماعية المتواضعة، لمست هنا ثمة تشابه في حياة الكاتب من حيث تنقلاته بين عالمي غمرة والزمالك، وسيرة إحسان عبد القدوس الذي اضطر للتنقل بين عوالم العباسية والزمالك بحكم انفصال أبيه عن أمه، ولكن سيرة الكاتب بخلاف تلك الملاحظة، تختلف تمامًا عن سيرة عبد القدوس، فالكاتب هنا طبقيّ يشعر بالدونية ويعادي البرجوازية رغم انتمائه إلى شلة ليبون، ويحلم بالانتماء إلى تلك الطبقة التي يعاديها وينتقدها علانية. هو كذلك وصولي يستخلص القارئ من فصول حكايته، كيفية ترقيه درج الصعود بطرق ملتوية تعارض أبسط مبادئ الشرف التي يدعيها.

بالانتقال إلى الأنماط النسائية، قدم الخشن ثلاثة نماذج مختلفة، النمط الأول للفتاة مسلوبة الإرادة، التي تقبل تحولها إلى سلعة تباع بأعراف البترودولار تحت مسمى تأمين حياة شديدة الرخاء، هي لم تكن قادرة على اتخاذ قرار واحد طيلة ثلاثين عامًا، وحين جاءتها الفرصة أخيرًا وهي – كسائر أصدقائها- على مشارف الخمسين، تختلط كل أوراق حياتها، تمامًا كأوراق اللعب على مائدة البوكر. النموذج النسائي الثاني تمثل في فتاة نصف مصرية، ونصف سويدية، من خلال صفحات هذه الشخصية، يطرح الخشن سؤالاً إشكاليًا شديد الأهمية حول قوانين وشرائع الميراث، دون أن يهمل رصد تطور الشخصية وتأرجح هويتها في مرحلة ما من حياتها، ومواصلتها التخبط في اتخاذ قرارتها حتى فوق طاولة البوكر. الشخصية النسائية الثالثة، والأخيرة بين الأصدقاء السبعة، هي الفنانة المشهورة، التي صعدت درج الشهرة بموهبة دعمتها كتابات صديقها الكاتب، وتمويلات صاحب شقة ليبون السرية لإنتاج أفلامها، ربما كانت هي الشخصية الأكثر جلبًا للحيرة في رأيي، فقد شاب تطور شخصيتها تحولات من التمرد والعناد، إلى الارتضاء بدور ثانوي في حياة رجل ما، وصولاً للوقوف على أعتاب غرام تأخر الإفصاح عنه طيلة ثلاثين سنة!

الغلاف والاستهلال
الغلاف مرة أخرى جاء شديد التعبير عن الرواية، وأعتقد أنه أيضًا لكريم آدم، والعنوان أعرف أنه راوغ الكاتب كثيرًا حتى خرج بصيغته الحالية، وأنا شخصيًا أجد أن العنوان قد جاء جاذبًا وموجزًا وممهدًا للحكاية.

ملخص ختامي:
هشام الخشن يمثل لون روائي مختلف، كاتب متمكن من أدواته، لديه مقدره هائلة على طرح أكبر عدد من الأسئلة، ورسم عشرات علامات الاستفهام، دون استعراض مبالغ فيه، وفي أقل مساحة ورقية ممكنة، والبديع أنه يتمكن من طرح كل تساؤلاته، ورصد كل سلبيات النفس البشرية، في إيجاز لافت، دون أدنى انتقاص أو اختلال لعناصر نصه. روايته الأخيرة "شلة ليبون" تلخص كل ما أسلفت، عمل روائي محكم، تحليل دقيق لتحولات النفوس وتبدل القلوب، استجواب لمفاهيم وثوابت أخلاقية ودينية وشرعية، رصد لتسلل المد السلفي الوهابي إلى دوائر صناعة الفن، وفساد الوسط الثقافي وقطاع من الكتاب، جنوح الإنسان الفطري إلى المراوغة والتجمل على حساب كل شئ، التفاوت الطبقي وتناول الفريقين له، صراع الموروث الأيدولوجي مع الحضارة الغربية، الطمع وتقديس الذات والنرجسية، كل تلك الأسئلة، وغيرها، طرحها الكاتب في نص قصير لم يحمل أي نوع من الإسهاب، وكل تلك الحيوات المتقاطعة، أو بالأحرى، كل شظايا أزمنتهم المنثورة على أعتاب السنين، اجتمعت على حواف طاولة البوكر، في رحلة بحث كل منهم، عن نصر حقيقي مبين، لم يحققه أي منهم من قبل، كل وفق منظوره ومراجعته لدفاتر العمر الفائت.

الشيء الوحيد الذي تمنيت تغييره في هذا النص، كان اعتماد الحوار باللهجة العامية، وهو أمر لا أحبذه كقارئ، لذلك، أعتقد أن استخدام الفصحى أو حتى الفصحى الدارجة، كان ليمنح بعدًا إبداعيًا مضافًا لهذه للنص.

"كم مرة نحكي قصة حياتنا؟ كم مرّة نتكيف، نجمّل، نقوم بتنازلات حكيمة؟ كلما طالت الحياة، قلّ عدد هؤلاء من حولنا الذين يفنّدون روايتنا، يذكّرون أن حياتنا ليست فعلاً حياتنا، بل مجرد القصة التي حكيناها عن حياتنا. حكيناها لآخرين، لكن، بشكل رئيسي، لأنفسنا."
الكلمات عاليه للكاتب الإنجليزي جوليان بارنز، الذي حصل على جائزة المان بوكر عن رواية عظيمة وملهمة هي "الإحساس بالنهاية"، رواية جاءت في ١٢٦ صفحة فقط!

هذا ما أقصده.

محمد سمير ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2020-09-15

المصدر الأصلي على ووردبريس