محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

العناق المبتور لعز الدين شكري فشير... هل تحدد الشخوص مسار كاتبها؟

عبر ثمانية أصوات، تأتي من خلال ثمانية فصول منفصلة ومتصلة في آن واحد، يقدم فشير رؤيته حول صعوبة/استحالة الاندماج التوافقي الكامل بين الشرق والغرب، الحبكة الرئيسية للرواية تدور حاول محاولة لجمع الشتات، يقدم عليها الجد، البروفسير الناجح والمتحقق، المنخرط كليًا في المجتمع الأميركي، من خلال دعوة أغلب معارفه من المصريين إلى حفل عيد ميلاد حفيدته الحادي والعشرين. مزج فشير بين تقنيتي الراوي العليم وضمير المتكلم، واستخدم الزمن كبندول الساعة، بحيث تترتب الأحداث ويتشكل إلمام القارئ بمكنون الشخصيات عبر تنقل السرد بين أكثر من مرحلة زمنية، سواء عن طريق استحضار المتكلم لذكريات تُعبّر عن محطات حياتية مهمة، أو من خلال تدخلات سلسة من الراوي العليم، مستخدمًا في ذلك لغة سلسة بسيطة خالية من التقعر تسهل من مهمة المتلقي. وبرغم استخدام الكاتب للمزج بين الراوي العليم وضمير المتكلم في سياق الفصل نفسه، إلا أنه اختص ثلاثة شخوص بمساحة أكبر من حرية التحرك فوق مسرحه السردي، ومن ثم التحكم في مسارات القصّ من خلال تغييب الراوي العليم، وأعني هنا الفصول الخاصة بيوسف، داوود، ولقمان، وسنأتي لهذا في حينه.شخصيًا، أحب أن أرتب قراءتي الانطباعية عن هذا النص بذات التسلسل الذي وضعه الكاتب باقتدار وإحكام، ثمانية فصول، منفصلة من حيث الشخوص والأجواء والخلفيات، ولكنها تظل متصلة بحبل سري يتوارى خلف كثافة الأحداث، تمثله المناسبة التي ينشد كل منهم حضورها، وهي دعوة الدكتور درويش لحفل عيد ميلاد حفيدته سلمى، ومن ثم؛ نحن أمام محاولات سبعة أشخاص للالتزام بحضور دعوة وجهت إليهم من ذات الشخص.1. درويش وألبرت حورانيفي الفصل الأول، نتعرف على الدكتور درويش، الداعي للحفل، والرابط بين الشخوص السبعة الآخرين، وبرغم ما يبدو عليه درويش من نرجسية، إلى أن فشير قد رمّز شخصية درويش من خلال كتاب تاريخ الشعوب العربية لألبرت حوراني، فهو "درويش تاريخ"، مهموم بالتاريخ، يحلله ويدَرِّسه ويحاول تلقينه للمحيطين به ولو بالإكراه، كان كتاب حوراني هو ترمومتر علاقاته النسائية التي سرد لنا الكاتب منها ثلاث علاقات، مع ثلاث فتيات ينتمين إلى ثقافات متباينة، فلا منفذ إلى صدفته المغلقة إلا لمن يعي تاريخ الغرب، فشلت اثنتان منهما في قراءة التاريخ، فيما كانت زوجته زينب هي الوحيدة التي حاولت العبور إلى عقله، إلا أنها رحلت قبل أن تنهي مرحلة المماليك، قتلها درويش دون أن يقصد، ولكنه كان المحرض الخفي الذي دفعها إلى الذبول والانزواء وفقدان الثقة بالذات، حتى ماتت. حقق درويش نجاحات أكاديمية باهرة، ولكنه عندما بتر الجسور إلى الماضي، وتوقف عن ري الجذور، فقد الحاضر، وانعزل عنه أولاده، ووقف هو في انتظار موت قريب يلوح في الأفق، يحاول ترميم ركام الماضي عبر لقاء أخير. الثغرة الموجودة في حكاية درويش تتلخص في ضبابية مشهد انفصاله عن زوجته الأولى وأم ولديه ليلى ويوسف، بخلاف ذلك، ربما تتسق شحنة الغضب واليأس التي شكلت الإطار العام لشخصية درويش، مع مشاعر الكاتب نفسه، وله في ذلك – حسب رأيي – كل العذر!2. رامي والهوم سيكنيسفي الفصل الثاني، أو الحكاية الثانية من متتالية حكايات المدعوين إلى حفل عيد الميلاد، يقدم لنا الكاتب شخصية تمثل النقيض من شخصية الدكتور درويش، فهو الشخص الذي فشل كليًا في تحقيق الحد الأدنى من التأقلم، والمبتلى بحنين حارق إلى الوطن بكل ما فيه من مشاعر وتفاصيل، شخص متزوج ولديه أطفال، ولكنه يفتقد الشعور بالأمان، حالة مثالية لتوصيف الهوم سيكنيس أو الحنين المرضي للوطن، لا يمتلك القدرة على بناء المعابر للتواصل مع طفليه ومع عالمه برمته، تنهار حياة رامي كبناء قديم تتم إزالته، يتداعى عالمه دفعة واحدة، ليتحول إلى شخص مطلّق، ممنوع من رؤية أطفاله، مفلس بأمر المحكمة التي سلمت زوجته كامل ممتلكاته، حائر مرتبك يقف على حافة الضياع.3. يوسف ودارفورفي الحكاية الثالثة، ينوّع فشير من تقنيته الكتابية، فينحي الراوي العليم ليفسح المجال ليوسف للوقوف منفردًا على مسرحه الخاص، ليقصّ على القارئ حكايته، وهي حكاية -بدورها- تتماس مع فصول من حياة فشير نفسه، من خلال عمله السابق في الأمم المتحدة، وفي دارفور على وجه الخصوص، ربما لذلك تحدث فشير بلسان يوسف، وكأنه يروي سيرة شبه ذاتية يستخلص منها القارئ زيف الهالة المحيطة بكيان الأمم المتحدة، التي لا تمتلك أي دور حقيقي لوقف نزيف الحروب في العالم الثالث، بل ربما يتشكك القارئ حول مصداقية هذه الهيئة، وحقيقة الدور الذي تلعبه في الخفاء، والذي قد يشي بانعدام الرغبة الحقيقية في التغيير، أو إيجاد الحلول. من خلال هذا الفصل، يستخلص القارئ التباين الشديد بين يوسف ودرويش (الأب)، الذي يُسفّه ضمنيًا من دوره في لجان الإغاثة، موجزًا بذلك حجم السدود والحواجز الفكرية التي شيدها الأب مع ابنه. تنتهي حكاية يوسف درويش بوقوفه بدوره على حافة الضياع، وقد ترك عمله في الأمم المتحدة دون أن يضع مسارات بديلة لحياته.4. داوود وعين جالوتفي الفصل المعنون بعين جالوت، يُبرز فشير شخصية داوود، اليميني المتطرف، والأصولي المتعايش مع حياته الأميركية، المؤمن بإمكانية تعايش المسلم في المجتمع الأميركي دون التخلي عن إسلامه، بل وربما يسهم في نشر تعاليم الدين، وهو صاحب الدور الخفي في أحداث 11 سبتمبر، والباحث عن الحجر الذي يٌسكنه في عين جالوته الخاص، الغرب الأميركي. داوود، المتزوج من شقيقة الزوجة الأولى لدرويش، فلسطيني عانى الأمرين في بيروت وفي شاتيلاـ ولديه الكثير من الغضب المختزن، وهو هنا يمثل النموذج الذي اختار مواجهة الدم بالدم، والعنف بالعنف، يرى في نفسه داوود النبي، المكلف بقهر الطغيان. ولكن: هل يملك داوود الأميركي الحجارة والمقاليع اللازمة لتدمير قلاع الغرب، وفقأ عينه؟5. لقمان وماريك، وطيف إدوارد سعيدفي أهم فصول الرواية، وأكثرها تأثيرًا حسب ذائقتي، يمنح فشير للقمان -طليق ليلى درويش، ووالد سلمى- مقاليد السرد مرة أخرى، ليلخص عبر حكاية عشق شديدة العذوبة استحالة انصهار الشرق والغرب في إناء واحد، حتى لو كان الإناء ينضح بغرام وهيام متبادل، بين طرفين توحدت أرواحهما وتلاقت في منأى عن خلافات أيدولوجية تفرضها أبجديات علاقة الشرق والغرب، وعلى الرغم من ذلك، يظل الشرخ بينهما يتسع بما يدحض فرص التلاقي، فجذور كل منهما شديدة التمسك بتربتها، يصعب اقتلاعها، علاوة على اختلاف عقائدي يبدو هينًا لوهلة، إلا أنه ربما يشكل أحد العوائق الأساسية غير المعلنة. يرتبط لقمان وجدانيًا وفكريًا بالمفكر والمستشرق الفلسطيني العظيم إدوارد سعيد، وقبل العناق الأخير على جسر بروكلين، وفيما أحسبه واحدًا من أهم الـ master scenes في الرواية، يحضر لقمان جنازة سعيد في نيويورك رفقة ماريك، وينهار كمن يودع أفكارًا ونظريات وقناعات ترسخت لديه، وكأن الأفكار تغادر رفقة صناعها. نهاية أخرى مفتوحة، ومستقبل مشرع على كل الاحتمالات، ولكن الحقيقة الوحيدة التي تترسخ عبر صفحات هذه الحكاية، أن الوداع هو الطرح الأكثر قبولاً لدى الطرفين، وإن خالفت العقول رغبة القلوب في لقاء لا يعقبه افتراق.6. عدنان وتاريخ من الاضطهاد العرقيبدوره، يحرص عدنان على حضور دعوة الدكتور درويش، خال أمه، وهنا يعود فشير ليكلف الراوي العليم بمهمة قصّ الحكاية، ليرسم لنا لوحة مؤلمة عن الاضطهاد العرقي والعنف الأسري، وهما المكونين الأساسيين لشخصية عدنان، الذي ينشأ غريبًا لا تعرف مفردات كالألفة والأمان طريقها إلى قاموسه، هو مغترب عن وطنه وعن نفسه وعن البيئة المحيطة به، مهزوز الثقة، لا يبادر ولا يجرؤ على اتخاذ خطوة واحدة دون السقوط دوامات من التردد تفقده كل فرص التعايش. حالة أخرى من الاغتراب، ونتاج معيب للتهجين بين الشرق والغرب، شوهها كثيرًا الحضور السلبي المدمر للأب، ورسختها العنصرية التي أحاطته في سنوات دراسته.7. رباب والشعور بالإقصاءينتقل الراوي العليم مرة أخرى ليعرض لنا ومضات موجزة من حياة رباب، صديقة ليلي (أم سلمى)، وهي هنا تمثل نموذج المغترب الذي حول معاناته مع التمييز العرقي والعنصرية، إلى موجات متتالية من مواجهات وهمية (دون كيشوتيه) في حروب مفترضة، تتفرغ رباب لقضية الاضطهاد الذي يتعرض له العرب، فيما تتسرب سنوات عمرها فوق عتبات الغربة وعلى ساحات المحاكم، دون أن تجد الوطن والسكن، فهي ثائرة ترمي سهامها بصورة عشوائية في كل الاتجاهات، منشغلة بتحقيق انتصار خيالي لن تدركه، تعيش بوتيرة متسارعة وإيقاع لاهث، وهي في واقع الأمر وحيدة، لا عائلة لها ولا رفيق، تتقاطع مسارات رباب وعدنان، فيتضح حجم التناقض بينهما، حيث لا يتفقان على شيء، سوى إضاعة الفرص، والفشل في بلوغ الطائرة قبل إقلاعها.8. سلمى، نتاج صراع الشرق والغرب؛ مصر ما بعد ٢٠١١في فصل الختام، تظهر سلمى، البطلة الغائبة الحاضرة بطول صفحات الرواية، والتي تمثل مع جدها درويش حلقة الوصل بين الفصول الثمانية، العالقة بين جسر يصل الشرق المنغلق، والغرب المنفتح على آفاق تصبو إلى ملامستها تارة، وتتراجع تارة أخرى، تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى، هي تجسيد لمصر الحائرة فيما بعد ٢٠١١، المتحيرة ما بين عباءة الدين (الأم ليلى، وخالة الأم أميرة)، وحلم الديمقراطية والحرية غير المشروطة (الأب لقمان، والجد درويش). ذلك النتاج من التردد الذي اعترى جيل الثورة، ينتهي به الحال في رواية فشير، جريحًا، مسجى فوق رصيف مظلم، مجهول المصير.كلمة أخيرةثمانية أصوات كان من الممكن ان تزيد إلى تسعة إذا ما استمعنا إلى صوت ليلى درويش الغائب، الذي كنت أتمنى أن يضيفه الكاتب إلى النص، خصوصًا وأنها الشخصية التي شهدت القدر الأكبر من التغيرات الأيدولوجية، وامتد أثرها ليؤثر في حياة ثلاثة أشخاص محوريين؛ درويش (الأب) ولقمان (الزوج السابق) وسلمى (الإبنة)، كان من الممكن أن يتسع فضاء الرواية ليضم تسعة أصوات، كما كان يمكن أن يقل الرواة/الشخوص إلى سبعة، لأنني أرى أن حذف شخصيتي عدنان ورباب، لم يكن ليخل من السياق أو لينتقص من الرسالة التي أراد لها الكاتب أن تصل إلى قارئه.في النهاية، يتبخر حلم اللقاء في عيد الميلاد، وقد فوت الجميع قطاراتهم وطائراتهم، هكذا هو حال المصريين والعرب، وهكذا تتلخص الحكاية فيما وراء النص، استحالة الاتفاق على نقطة للتلاقي، وصعوبة اندماج العرب في المجتمع الغرب مهما طالت بهم آماد الهجرة، ربما يأخذ البعض على الكاتب اختياره لنماذج سلبية من المهاجرين، بينهما هناك الكثير من الناجحين الذين وجدوا سُبلهم إلى الاندماج في المجتمعات الغربية، ولكن الكاتب يجزم -من خلال نصه وتجربته- أن الاندماج الحقيقي، حتى ولو جاء عبر الانسلاخ واقتلاع الجذور، مستحيل، يظل الغريب غريبًا، حتى وإن أحكم ترويض لسانه وارتدى عباءة الغرب واعتمر قبعات الكاوبوي، يبقى انتماؤه منقوصًا، فلا هو شرقي في عيون بني وطنه، ولا هو غربي في نظر الغربيين.المتابع لمسيرة الكاتب والدبلوماسي والأكاديمي د. عز الدين شكري فشير، والمتأمل لمساراته منذ ٢٠١١ وحتى ٢٠١٧، يستشعر وكأن فشير، الكاتب والأستاذ في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة دارتموث في أميركا منذ ٢٠١٦، اختار أن يسلك مسار الدكتور درويش، بطل روايته هذه، وهو أمر لا أتمناه، فأنا كمتابع لكتابات هذه الكاتب والمفكر المصري الحر، لا أحب أنا أراه غريبًا يمضي ما تبقى من عمره في محاولة لترويض الغربة، ونزع جذوره من تربته التي التي لا يملك إلا أن يعشقها، وإن تملك منه اليأس وقد فوت المصريين كل القطارات والطائرات/ الفرص السانحة للتغيير، أو اختاروا النزول في المحطات الخاطئة، تمامًا ككل أبطال الرواية.صدرت الرواية عن دار العين أولًا، ثم صدرت عن دار الكرمة التي اشترت حقوق كل أعمال فشير حسب اعتقادي، وهو أمر يؤكد حسن اختيار دار الكرمة وحرصها على استمرار مشروعها الثقافي المتميز، العنوان جاء مشتقًا من حكاية الفصل الخامس، ليلخص عناق الوداع بين لقمان وماريك، في إشارة إلى استحالة استمرارية العناق/اللقاء/الامتزاج. غلاف دار العين جاء أكثر تعبيرًا عن أجواء النص، ولكن طباعة وإخراج طبعة الكرمة كانت الأفضل بكل تأكيد.شكرًا كاتبنا الكبير، أتمنى أن أقرأ لك عملاً جديدًا في أقرب فرصة، ولا أتصوره صادرًا سوى عن دار الكرمة، هي أمنية ربما تخالف الظاهر من الأمور، ولكنني رغم ذلك، أتمنى إن أراك قريبًا، في مصر التي لم تفارقك. وحتى نلتقي، أعدك أن أقرأ كتاب ألبرت حوراني.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2020-09-28

المصدر الأصلي على ووردبريس