في اكتشاف الكنوز المنسية (6).... آخر أوراق علاء الديب... الحياة تكتسي باللون الوردي؛ فقط في لحظات النهاية!

إذا أردت أن أستهل قراءتي عن آخر أعمال الراحل العظيم علاء الديب، أيام وردية، الصادرة في عام ٢٠٠٢، فمن الحتمي أن أتوقف أولاً أمام هذه الطاقة السردية الهائلة، المفعمة بمشاعر الهزيمة والانكسار، التي استطاع الكاتب، بطريقة إعجازية، أن يأسرني -حتى هذه اللحظة- داخل عوالمها الكثيفة المتشابكة، في نص لا يتعدى ٩٣ صفحة، فقط!
لا أعتقد أن كاتبًا بمقدوره أن يترك مثل هذا الأثر في نفس القارئ، من خلال نص قصير كهذا الذي انتهيت من قراءته، ولا أقدر على مغادرة صفحاته، سوى علاء الديب!
يقدم لنا هنا الكاتب شخصية أمين الألفي، المثقف والمفكر المنتمي إلى الطبقة الوسطى البائدة، شخص تتلخص فيه آثار هزيمة قصمت ظهر جيل كامل، تجاوزها من استطاع الانسلاخ من حلم العروبة، وسارع بالإنضمام إلى قافلة الانفتاح، الثقافي والتجاري، وسقط في جُبها السحيق من لم يقو على لفظ الحلم، فظلت كلمة "فلسطين"، راسخة فوق لسان ألجمه العجز وأثقلته الإنكسارات، إلا أنه، أمين الألفي/علاء الديب، قد احتفظ بجلال الكلمة، فلم يبصقها فوق مآدب كامب ديفيد، ولم يبتلعها كما آثرت الأغلبية.
بيجامة منزلية، وشبشب، وشجرة سنديان، هي مكونات عالم بديل يحاول أن يجد فيه الرجل الخمسيني براحه ومستراحه، وثلاثة أقراص بيتلعها فلا تأتي بالنتيجة المرجوة، ما بين المقوي والمنشط والمهدئ، ينسحب الألفي من الحياة تدريجيًا، تذوب حبال الود مع زوجته عقب تأثرها بالمد الوهابي القادم من بلاد البترودولار، وتتلاشى الروابط مع ابنائه، ليسقط هو فريسة للذكريات، ما بين خسارة الحبيبة الأولى، وخسارة الحلم، وهزيمة الوطن، وهروبه من القاهرة، ومن أحلامه، مرتضيًا بحضور صوري باهت كأحد الأخصائيين الاجتماعيين في أحد المدارس.
يبرع الديب في وصف حالة ذبول الحلم، وانكسار الروح، لم لا وقد عاصر الكاتب تلك المرحلة التي شهدت تحطم الحلم الناصري فوق ورقة نتيجة حائطية توقفت عند صباح ٥ يونيو، يبحث الألفي عن أيام تكتسي بلون الحلم الوردي الذي خضبته دماء ٦٧، يقع ضحية لاكتئاب شرس، يفقد الدافع ويتشكك في معنى الحياة وجدواها، فيرتضي بقبول قراره المؤجل بالإنسحاب، ليلتحق بمصحة للأمراض العصبية، تحمل اسم نابلس!
يجد الرجل المهزوم سكينته في المصحة، بعد أن أشهر رايات استسلامه أمام الكافة، يقبل بقرار زوجته بالطلاق، يجمع شتات ذكرياته في بضعة صناديق تحوي كتب وصور وكتابات، ويترك منزله بعدما استقر في المصحة، وهناك؛ يستعيد القدرة على الحلم، وإن تناوبت عليه أحلام مضطربة، جمعت طيف الأب والحبيبة والزوجة في أطوار تحولاتها، مع زيارات قليلة من صديقه الكفيف، وتلميذه النوبي المبشر بغد أفضل، يتأقلم الألفي مع وضعه الحياتي الجديد، حتى تبزغ فلسطين مرة أخرى في عالمه الوردي، متجسدة في فتاة فلسطينية تعاني من أزمة عصبية نتجت عن اغتصابها وإيذائها على أيدي عصابات الاحتلال، ينتحي أمين الألفي تجاهها، كزهرة تتوق إلى عناق الضوء قبيل الغروب الأخير، يحاول أن يحررها من آثار أزمتها، إلا أن سلبيته، مرة أخرى، تزيد من مواجعها، وتهزمها، لتردها إلى عالمها السوداوي من جديد.
لا يقدر الألفي على مواجهة نكبة أخرى، هزيمة أخرى موازية لنكسة ٦٧، فيهجر المصحة رغم إقرار الأطباء بشفائه، إلا أنه كان يعاني جرحًا لا تظهره فحوص الأطباء، يهيم الألفي بين الطرقات كمجذوب استرد عقله بغتة فراح يبحث عن جذوره، يعود إلى قرية أبيه، ويلتقي بصديق الأب، إبراهيم أبو خليفة، الذي عرف السجن ظلمًا، وتخلى عنه الجميع، حتى خرج من أسره ليقيم لنفسه وطنًا بديلاً فوق تراب لا يعرف مفردات الحرب والظلم والغدر والهزيمة، ينضم إليه أمين الألفي، يشاركه محاولة أخيرة لإعادة إعمار الأرض، حتى وإن اكتفيا بزراعة اللوف الخشن، يستسلم أمين لحياته الجديدة، فيما يظلله طيف شجرة السنديان العتيقة التي تركها خلفه في المنصورة، يجد سكينته بعدما تحرر من كل الآمال والأحلام المقترنة بالإنكسار، ليتسرب اللون الوردي إلى عالمه، ليصبغ السماء، ويستوطن عينيه الكسيرتين، للمرة الأولى، والأخيرة، قبل الرحيل.
لست من هواة اختزال النصوص الأدبية في مجموعة من العبارات والاقتباسات، إلا أنني هنا، أفضل أن أختتم حديثي عن هذا النص الإبداعي الفريد، بهذا المقطع الوارد في صفحة ٦٤ من طبعة دار الشروق، كتوصيف لحالة أمين الألفي بعدما قال صديقه الكفيف د. مندور، أنه يشم رائحة فلسطين في المصحة التي استقر بها صاحبه:
"شعر أمين الألفي أن الرجل يلقي عليه عبوة ناسفة، كأن كل كلاب الأرض هجمت تنهش فيه، ليس أمامه إلا أن يضرب بيديه العاريتين ويقاوم. كان يسمع صوت نفسه يتردد في الغرفة عاليًا غريبًا عليه.
الجملة جسدت أمامه الأمة بأسرها التي تأكل الكلام، تمضغ الماء، تغني مشاعر كاذبة لكي لا ترى الحقيقة. عاهرة تتوارى خلف غباء جلف، جهل ونفط، وأجهزة حديثة وثياب تلمع، لم يبق إلا أن تقف على الكرسي وتُلقي علينا الأشعار، وتردد أناشيد العودة والنضال والصمود. حدثنا لو أردت عن الزيتون والبيارات.. وعن الوطن. ردد لو أحببت صورًا ومعاني قديمة لم تعد تسكن رأس أحد، سوى رأسك المحروم من الصور، ورأسي العليل الذي هزمه الواقع وطرحه أرضًا: أمامك هنا، في مستشفى المجانين هذا.. وتقول: أشم هنا رائحة فلسطين!"
رحم الله علاء الديب، وجازاه عنا خيرًا...
تاريخ النشر في المدونة: 2020-09-29