أزهار الموت لفايز غازي... إرث الفساد لا يفرق بين القاتل والمقتول

أعرف فايز غازي، قارئًا محنكًا، ومثقفُا واسع الاطلاع، وناقدًا من طراز رفيع، ولكن هذه هي تجربتي الأولى للتعامل مع فايز ككاتب، إذ أن الحظ لم يحالفني لقراءة روايته الأولى، ولكنني في هذه المرة؛ حرصت على اقتناء روايته الثانية، وقراءتها على مهل يليق بكاتبها، سعيًا نحو الاطلاع على ما راكمته القراءات المتنوعة في خيال فايز الروائي، ومن هنا قرأتُ الرواية مرتكزًا على توقعات إيجابية، تسبح أسفل سقف مرتفع من التمني.
كما أجمع القراء، نحن لسنا أمام رواية بوليسية، وإن لم تخلو أحداثها من عنصر التشويق، ولكن فايز، أراد عبر روايته القصيرة هذه، أن يطرح كمًا هائلاً من الأفكار الفلسفية والسياسية علاوة على رصد دقيق لمظاهر العوار المجتمعي في وطن عربي كامل ضمه الكاتب بين قوسي اسم رمزي واضح هو "عربستان".
يطرح فايز في روايته نتاج التزاوج بين الساسة وأصحاب العمائم في الغرف المظلمة، يشذب نصه بنصل الحقيقة المؤلمة، يُسطّح الزمن، ويسيّل الجغرافيا، فيمنحنًا نصًـا مجردًا من عتبتي الزمان والمكان، ولكنه على ذلك نص مغرق في الواقعية العربية. لم أجد في استخدام مفردات البكوات والآغوات استهدافًا لحبس الرواية في إطار الزمن العثماني كما قد يذهب البعض، وإنما وجدتها ترميزًا للسيادة التي يحتكرها البعض في المجمل، وهو الأمر الي لا يمكن أن يسيّج في إطار زمني بعينه، خصوصًا في بلاد العربستان.
تبتدئ فصول الرواية بشخص على شفا الإعدام، فيما أومض في ذهني ثمة تماس مع رواية هوجو "أخر يوم لمحكوم بالموت"، إلا أن فايز لم يخزلني فاتخذ مسارًا قصصيًا مغايرًا، ونهجًا سرديًا مختلفًا عن هوغو، رغم تشابه البدايات، حيث أن محكوم فيكتو هوغو لجأ إلى الورق والكتابة لقصّ حكايته، فيما وجد بطل أزهار الموت شخصًا لا مباليًا يشرف على لحظات النهاية، حارس سجن هو في نظره -أي البطل والراوي الأساسي- محض رقم في كشوف المسجونين وسجلات المحكومين بالموت، ولكنه يرتكز على هذه العلاقة التي تبتدئ بعداء واستهزاء، ليقص من خلالها البطل المحكوم بالموت حكايته التي قادته إلى هذه النهاية برضاء واستسلام تام من جهته، لا يفوتني هنا أن أشير إلى حنكة الكاتب في تضمين تطور العلاقة بين الحارس والسجين من خلال نهج الحوار، وتقلب اللغة بينهما، وصولاً إلى قبول السجان بلقب الصديق الذي رفضه في بداية الأمر.
ينزع الكاتب عن أعين القارئ غمامة الواقع المشحون، ويسحبه ليتلمس الحقيقة العارية، وكم كان جسد الحقيقة مزروعًا بالشوك! عبر تكنيك روائي مزج بين المحاورات الطويلة نسبيًا، والتنقل في فضاء زمن السرد بحرية أسستها الخيوط العريضة للرواية، نشاهد الملامح البشعة للفساد الضارب في جذور النفوس العربية، فساد الأخلاق، فساد تفاسير الدين، فساد الأفكار، فساد الحاكم. الفاسد هو الجاني، وهو المجني عليه، هو البطل، هو القاتل والمقتول، ولا ضحية غير البراءة والحلم الأخضر الذي لا يجد فرصة لسُقياه في تربة جافة عقرت أشجارها. الفاسد لا يحمل بالضرورة سلاحًا، ولا يتوجب عليه أن يكون من الساسة أو رجالات الدين، فالفاسد؛ هو أيضّا المتواطئ مع الفساد بالصمت والخضوع، ومن هنا تأتي صرخة الكاتب، كلنا شركاء في الفساد، كلنا آثمون تنحني أكتفانا تحت عباءات الذنب والخوف والسكات، صرخة ذكرتني بالعبقري عاطف الطيب في فيلم "ضد الحكومة" للراحل العظيم أحمد زكي: كلنا فاسدون، لا أستثني أحدًا!
لغة شعرية عذبة، موسيقية في بعض مواضعها، بناء متماسك، وكثافة مُحببة في جماليات اللغة الحافلة بالصور، كل تلك العناصر كان من الممكن للكاتب أن يخلق عبر ضفرها بالفكرة والفلسفة عملاً أكثر خلودًا، لولا أمرين، أولهما "بخل" الكاتب، الذي أراد لرسالته العريضة أن تأتي في قالب نصيّ صغير "ضيق"، فيما كانت الحكاية تستحق قالبًا أكثر اتساعًا، وثانيهما كان اهتزاز خيوط الحبكة في يد الكاتب في الفصول الأخيرة، الأمر الذي كان جليًا في حالات السهولة واليسر والبساطة التي أتم بها الراوي انتقامه من الكافة، مقررًا دخول مطّهره الخاص. كنت بحاجة إلى الشعور بالمزيد من الجهد في تنفيذ البطل لانتقامه التدريجي المتسلسل. كذلك؛ ربما لم تفاجئني النهاية، بل كنت لأمنح النص النجمة الخامسة – رغم ملاحظاتي السابقة – لو جاءت النهاية خالية من ذلك العنصر الدرامي الـمُقحم في نسيج رواية لم يكن راويها بحاجة إلى مبرر إضافي ليتمم انتقامه من المجتمع برمته، خصوصًا وأن نتاج التزاوج بين عناصر الفساد كان واضحًا في ثنايا النص، ولم يكن بحاجة إلى نتاج بشري آخر يرمز إلى ما سبق إيضاحه بالفعل.
أهنئ الصديق الغالي فايز غازي على هذا العمل الروائي اللافت، والمتميز، وأتمنى أن يمنحنا في المرة القادمة نصًا يخصص له مساحة أكبر، فهو بكل تأكيد، لديه من الأدوات والهموم والأفكار، ما يؤهله لذلك، وبكل جدارة.
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2020-10-07