العجوزان لجار النبي الحلو...وطن يشيخ... ورفيق يغيب، وعالم يركض في مضمار بعيد...

في روايته الأحدث، العجوزان، الصادرة عام 2016 عن دار الهلال، يواصل الكاتب القدير جار النبي الحلو الكشف عن قدرته الفريدة على المشي فوق الخيط الرفيع المشدود بين خطّي الزمان والمكان، فيشيد من التفاصيل البسيطة، والأحداث العادية، نصًا روائيًا شديد العذوبة. هو واحد من جيل الآباء في الكتابة الروائية والقصصية، ولعل أحد أهم سمات هذا الجيل في الكتابة، هو عنصر الأصالة، فالنص شديد الالتصاق بالواقع، سهل ممتنع، بحيث تسهل حكايته وتصعب كتابته بهذا النسق، الشخوص حقيقيون، كلهم يشبهون الأب والجد والعم والخال من حولنا وفي شرفات ذاكرتنا، ولكنهم في ذات الوقت؛ يعبرون عن انعكاسات متباينة يلتقط منها الكاتب صورته عبر مرايا الزمن.
وكم كان من المدهش أن يأتي نصنا هذا بمثل هذا الزخم في التفاصيل وبكل هذه الدفقات الدافئة من المشاعر، في حدود مائة صفحة!مائة صفحة فقط كانت كفيلة بتسييل الزمن، يطوعه الكاتب ليصبغ به حواف صفحات نطالع من خلالها علاقة إنسانية شديدة الخصوصية، امتدت لما يزيد على خمسة عقود من الزمن. المكان بطل أساسي كعادة أعمال الكاتب، وهو كعادته التي يمليها عليه الانتماء لعالمٍ صغير ينجح كل مرة في مطّ حدوده بحيث ينقل عبر حواريه وشوارعه ووجوه ساكنيه صورة مصغرة للعالم، يجعل من المحلة بطلاً مكانيًا للرواية. فيما ينساب الزمن كنهر أسفل الأحداث المحركة للنص. فايز وفايق، عجوزان وحيدان، تسربت من مسامهما كل دوافع الحياة، وتشابهت في عيونهما المشاهد عقب نوبات متتالية من الفقد والوحدة والانكسار، تحاصرهما غربة الزمان، وقد شاخ الوطن الذي يعرفانه، حتى لم يعد لهما ما يربطهما بالحياة سوى صداقتهما الممتدة منذ قرابة ستين سنة، مؤانسة كل منهما للآخر كانت كفيلة بأن تحيل ناظريهما بعيدًا عن مراقبة طيف الموت القادم، القريب، والمتأهب.
فصول رواية أم متتالية قصصية؟
والحكاية تنقسم إلى خمس عشر فصلاً، يمكن أن تُقرأ منفصلة كمتتالية تكتمل أحداثها تصاعديًا دون الارتكاز على الحكاية السابقة، كما تشكل في مجملها نصًا روائيًا كاملاً، عمل سردي محير، تُفتتح فصوله بمد الحضور، وتُختتم بجزر الغياب، يقحمنا جار النبي الحلو في المشهد الأول من خلال الجار الذي يشهد على انتقال فايز إلى مسكنه الجديد، معنونًا هذا الفصل الافتتاحي بعبارة "أول مرة رأيت فايز"، نعرف أن الجار يواصل مراقبته عن بعدً لحياة فايز التي تستمد إيقاعها من زيارات صديقه رفيق، يغيب الجار الذي نشاهد أول فصول الحكاية من خلال عينيه بطول الرواية، حتى يظهر في الفصل الختامي الذي تتوجه عبارة يمهد من خلالها السارد الإغلاق الأخير للستار: "آخر مرة رأيت رفيق"! وما بين الحضور والغياب، المد والجزر، يستأثر رفيق بمنصة السرد كراوٍ أساسي، محافظًا على وجود فايز كبطل رئيسي محرك للأحداث، فايز بدوره يمسك بمقاليد الحكاية في فصلين يمنح دور البطولة لرفيق في أحدهما، فيما جاء الفصل الآخر ليذكرني برواية باتريك زوسكيند "الحمامة"، وإن جاءت الصورة والمقصد على خلاف رواية زوسكيند، ففايز هنا يشاغله أثر دجاجة في شقته، ويتوقف العالم عن الدوران لوهلة كما تجمد عالم زوسكيند، ولكن فايز يقاوم، حتى يتوقف في النهاية أما بيضة تركتها دجاجة قذفها منذ لحظات من النافذة، بعدما أودعها كل مخاوفه وهواجسه. بخلاف ذلك، منح الكاتب لشخصية ياسمين صاحبة الكشك، الفرصة لقص حكايتها بدورها من خلال فصل وحيد، يتمحور حول فايز من منظور مغاير لكل الفصول الأخرى.
عالم يشيخ، زمان ينصهر، ومكان راسخ كما الحكايات...
نتصفح عبر الصفحات معالم عالم ينصهر، بيوت وأشخاص وشوارع وشركات تشيخ، تتبدل المظاهر والأفكار، ما بين صبوة مغلفة بكل ألوان الحرية، كالهوى والغرام والسباحة والمغامرة والشعر والسينما وكشك الموسيقى، إلى ظهور المنتقبات وتبدل نظرة الشارع إلى سواها، نشاهد تلك الومضات في أجلى صورها في فصل "صياد المحبة"، الذي بارت تجارته تحت وطأة زمن عجول يبدل ثيابه في عجالة، وكذلك الحال في فصل "ولا عزاء" حيث يضطر رفيق إلى حضور عزاء واحدة من أقربائه، ليكتشف المسافة التي قطعها في مضمار زمني موازٍ للحاضر، ومغاير لاتجاه الأمس. ولكن؛ تبقى الكتب - فصل "زيارة متأخرة" - تظل خالدة كشاهد صامت على ما جرى ويجري، يكسوها غبار النسيان ولكنها لا يطمس صوتها ولا يخفف من أثرها، حتى وان اجتذبت صاحبها نداهة النفط، وأغوته بالمال والذهب والرخام: حكاية شعبان وعم طلعت مع فايز ورفيق في هذا الفصل تعد بمثابة لوحة جدارية تلخص الكثير من إحباطات جيل كامل، وتكشف عن الندوب التي تركتها أظافر الزمن في أرواح هذا الجيل.المكان بدوره يتعرض لعوامل التعرية، ولكنه يظل على رسوخه، فتظل المحلة مدينة تلد الثورات وتشارك في تغيير المسارات، يشهد فايز ورفيق أحداث ثورة يناير، ويتتبعان خطوات الثائرين ما بين 25 يناير و11 فبراير، يشاهدا مخاض حلم الثورة، ولكن الكاتب هنا لا يسقط في فخ التنظير، ولا يعلو صوته على جلال الحدث، الثورة تمر في الخلفية، ويؤطر الفصل الحاوي لحكايتها بنشوة العجائز إثر مشاهدتهم لحلم حرصوا على طيه خارج كراسات الأحلام القابلة للتحقق، وفي خضم طوفان سردي يعج بالمشاهد والمشاعر والوجوه، يمكن للقارئ أن يلتقط سؤالاً لم يُسأل، واحتفظ به جار النبي الحلو في وجدان عجوزيه؛ لماذا لم نقم بثورة كهذه وقتما قصمت ظهورنا الخسارات؟
صور تُومض في إطار الحكاية...
تظل الصداقة العجوزين هي النهر الذي تسري بين أمواجه الصور، لتحرك المسار القصصي في تنوع لافت رغم قصر حجم النص، كل فصلٍ قصير حوى بين أوراقه صورًا ناطقة، فكما أسلفت فيما يخص حكاية الدجاجة، والعزاء، والزيارة المتأخرة، وصياد المحبة، كانت هناك صورة الميكروباص التي تلخص الكثير عن تجريف أخلاق المصريين، وصورة أخرى لاستحضار الغرقى من قلب النهر/الذاكرة، ثم التشبث بالحياة من خلال ومضة غرام تشهد عليها ساعة الشركة المنتصبة بين المصانع، وعبور سريع لطيف الغرام الأول بعدما أعمل فيه الزمن مباضعه، ووصولًا إلى سماع صوت ياسمين التي تبحث عن حياة بسيطة كانت بالنسبة لها ذروة التمني.
ما بين الصوت والصورة...
الصفحات عامرة بالصور، يترك الكاتب لقارئه حرية رسم الملامح، فلا يكثر من وصف القسمات والملامح، لذلك فإننا نسبل أعيننا فنشاهد وجه الصياد العجوز، وسائق الميكروباص، وياسمين، وممثل المسرح القديم، سميحة والست عنايات، شعبان المشلول، وسهير. نشكل كل وجه في إطار الحكاية الخاصة به. بالتوازي مع هذه الوجوه يتسرب صوت الراديو حاضرًا بين السطور، ينقل لنا نسائم زمن عبد الحليم حافظ، مقرونًا بحضور هند رستم وشعر صلاح عبد الصبور، الراديو نافذة مغلقة، تجبر القارئ على استبدال عينيه بأذنيه لتكتمل في خياله الصور، كل الصور قابلة للاكتمال، وكل الوجوه قابلة للتشكيل، إلا وجه الجار الذي يفتتح الحكاية ويختتمها، هذا الجار وجدتُ فيه انعكاسًا لوجه القارئ، كنت أنا ذلك الجار الذي يتفاعل مع الحدث ويشاهد الحكاية، دون أن يمتلك القدرة على التدخل.
متتالية الحضور والغياب...
تنتهي الحكاية بوخز قلوب القراء، وخزة خوف تسبب انقباض القلب وتوتر الأنفاس، خيوط الحياة التي تمسك العجوزان بها تكاد تذوب، الحياة التي استمرت فقط بفعل "الونس" تتأرجح على أعتاب الغياب، ينجو فايز مما دبره له قلبه، يتجاوز محنته مظللاً برعاية رفيق، ولكن رفيق، الاسم/الرمز الجلي للرفقة وصحبة العمر، يختفي تدريجيًا، لا يخلف أثرًا ولا خبرًا، يتوقف عن ظهوره المباغت الذي طالما استهله بكلمات تظللها ابتسامته "سأحكي لك حكاية لطيفة".فإن غاب الرفيق، من يقدر على أن يحكي لنا حكاية لطيفة؟ يركض العالم في اتجاه معاكس لفايز، اختفى رفيق فحضر أثر الزمن، احتجب من كان يمرر برفقته الأيام بعيدًا عن ذلك الغول الشره، تبخر الرفيق رفيق، وكان الكاتب رحيمًا بنا إذا اكتفى بوصف أثر الغياب على فايز، وعلى القارئ/الجار المشاهد، دون أن يقر بمصير واضح له، وإن كان من السهل استنباطه من بين السطور. وبدوري؛ بكيت وأنا أرى فايز في شرفته، وحيدًا، ينزف العمر الباقي مع كل زفير حار يطلقه، فيما يبحث عن رفيق في ردهات العقل.
رسالة ختامية:
جار النبي الحلو، قامة أدبية كبيرة، يزعجني أن أقر بأنني وجدت صعوبة بالغة في اقتناء رواياته، فهي إما متاحة في منافذ/أكشاك الهيئة التي تغلق أبوابها وقتما يقرر الموظف الرواح، أو في المركز الدولي للكتاب، أو غير متوفرة بالأساس. أعمال الهيئة لا تتوفر في المكتبات الكبرى لسبب غير معلوم، وإن عرفتُ السبب، فمن المؤكد أنه يخلو من المنطق ولا ينطوي على أي رغبة حقيقة في تحقيق الرواج اللائق بمطبوعات الهيئة. من هذ المنطلق، أتساءل؛ هل من الممكن -إن سمحت بذلك عقود الهيئة- أن نشاهد طبعات جديدة لأعمال جار النبي الحلو؟ أن نرى رباعية المحلة في ثوب يليق بكاتبها، صادرة عن دار الشروق أو الكرمة أو المصرية اللبنانية مثلا؟ أو أن تصدر أعماله القصصية الكاملة من أي دار تعي وتقدر ما بين يديها من منتج ثقافي شديد التفرد والخصوصية؟
ألا يتوجب على الدولة ووزارة الثقافة أن يعيدا النظر في آلية جائزة الدولة التقديرية، من حيث جهات الترشيح، والإقرار بقبول الترشح الذي يتوجب على الكاتب توقيعه حتى تجود عليه الدولة بما يستحق من تكريم؟
مجرد سؤال!
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2020-11-23